الحصلةْ في الريّ

في قُعر الشارع تقبع مربوعة الشيابين؛ هكذا اصطلح سكان المنطقة علي تسميتها. لا أحد يذهب إليها، أو يجلس فيها. بل لا أحد يدري ما الذي يدور فيها من أنشطة أو أحاديث، ولا أحد يعرف أصل أولئك الشيوخ الذين يزورونها كُل ليلة كملهى مقدس أو كضريح خاص. فهي تابو مُشمع وعليك أن تشيب أولا حتى يُسمح لك بدخولها. أما إذا سبق ودخلتها، فلا تستطيع التحدث عنها بعدُ. هذه هي لعنتها كما يقولون.

ليلتها كان حميد جاهزا. قد لبس بدلته العربية المعتادة، ووضع فوقها الجَرد الوحيد الذي يملكه، وراثة عن أبيه. معتمرا قبعته الصوف لم ينس أن يترك مجالا لسوالفه الشائبة بياضا أن تعرض نفسها اختيالا لرائيها. ففي يومها قرر حميد، أخيرا، أن الخمسين عاما تكفي ليلتحق بالمغامرة المجهولة في نهاية الشارع. Continue reading “الحصلةْ في الريّ”

Advertisements

مارد القابينة

جمال مواطن ليبي صالح، يلبس الزبون أيام الجمعة وفي الأعياد، ويفضل أكل حساء الفاصولياء بالكرشة، ويقلب الشبشب كلما وجده مرميا علي قفاه. يحب بنت خالته القصيرة والفتاة الغامضة ذات الصوت الرقيق التي تزور بيت جارهم ميلاد عشيّة الخميس وأرملة صديقه السمراء وحتى تلك التي أخطأ يوما بطلب رقمها بدل رقم أمه والتي لم ير منها غير الظفر الزهري الذي يصاحب كوب الشاي في خلفية صورتها علي الفايبر، فجمال كأي مواطن ليبي صالح لديه طيف واسع من الأذواق. ثم أنه يعود المريض في اليوم الثالث من دخوله المستشفي بعلبتي عصير العنب، ويبخبخ أمام حوشهم عندما يشتد قيظ الصيف مرتديا سرواله القصير، وعندما يضرب زمور السيارة في زحمة الطريق يقول تلك الكلمة التي يقولها كل الليبيين عادة من هم في وضعه. يرقص علي النوبة بحرارة، ويلطخ زميله الذي تخرج للتو بأشنع أنواع الزيوت والبيض النيء النتن وريش الدجاج كحركة وفاء لاإرادية، وعندما يتكلم في السياسة تجتاحه تلك الرغبة الدفينة بقذف شتيمة. إذا وكما ترون، جمال مثالي جدا واكتسب أحقيته في الجنسية بكل جدارة. Continue reading “مارد القابينة”

هذيان أصفر

وحيد في خضم بحر لجّي ، مركبه صغير جدا علي حاجيّاته ، العاصفة ترغم المركب الخشبي التالف علي الرقص كامرأة يشدّ خصرها لحن بديع !
ما الذي أتى به إلى هنا؟ لم يحمله الوقت علي أن يتساءل أو يفكر ..
البرق يرعد ، والرعد يضرب صوتا أشبه لأن يكون الصوت الذي يخرج عن سوط مربّي الثيران! هل هذا هذَيان ؟ 
من حوله ترقد بضعة أشياء تدفع المركب علي التنازل ، علي الخمول ، بدأ في تفريغ الحمولة خشية أن يغرق.
حقيبة ظهر جلدية ذات طابع ايطالي ، تحمل في جوفها أكثر ما تحمل ذكريات مشبعة برائحة أشجار الكروم في سفح ذلك الجبل ، في جحر تلك القرية البعيدة قليلا عن ميلانو ، وعطر صابون غسل الصحون وفوح الألعاب النارية المحترقة في كل عيد ميلاد Continue reading “هذيان أصفر”

عُقدة في نافذة

سحابات الصيف خادعة ، والضحكات المحشوة في وجوه الأطفال غير قابلة للتصديق ، والأزواج مصطلح عابر في سِير الحياة ، والمياه الجارية لا تكترث للمصطبة الصغيرة التي ترتفع قليلا عن عتبة الباب الخارجي ، فتندفع إلي الشارع جارفة معها أسرار صغيرة ككل مرة تُقام فيها حملة تنظيف للفسحة الأمامية من المنزل ، هكذا فكرت ، وراحت تتساءل بحيرة محدقة في المياه المنسابة من بين قدميها ، المُندلفة نحو الخارج : أه لو أنّي مياه تشطيف!  Continue reading “عُقدة في نافذة”

حِيطان

تصاعد الدخان المُنطلق من سِيجارة المالبورو التي تتلاعب كجنية حدقة بين شفاه جلال لتكون غيمة سرحت بعيدا مع مثيلاتها في المقهي المنزوي بنفسه في طرف الشارع ، أبدى صديقه إبراهيم عدم راحته في وجود قبيلة من السجائر تنفث سمومها في أنحاء محيطه. فتحركت مشاعر (إنت مش أحسن مني) في الجانب المِحسدي من جلال والذي قال ممتعضا Continue reading “حِيطان”