الصديق المخلص

في إحدى الصباحات أخرج جُرد الماء العجوز رأسه من جُحره. لديه عينان مشرقتان كخرزتين وشاربين خشنين، أشهبين وذيل طويل يبدو كقطعة مطاط سوداء. البطّات الصغيرات تسبح هناك في بركة المياه، تشبه كثيرا طيور الكناري الصفراء، أما أمهم؛ التي كانت بيضاء تماما لا يشوبها غير ساقيها الحمراوين، فقد كانت تحاول أن تعلمهم كيفية الوقوف علي الماء برؤوسهم.

“لا يمكنكم الإنضمام لأرقى الجماعات حتى تقفوا علي رؤوسكم” هكذا ظلت تقول لهم. وبين الفينة والأخرى كانت تريهم كيفية القيام بذلك. ولكن البطّات الصغيرات لم يعيروها أي اهتمام. لقد كانوا صغارا جدا للدرجة التي لم يعرفوا بها ما هي ميزات أن يكون المرء في مجتمع ما علي أية حال.

Continue reading “الصديق المخلص”

Advertisements

الحصلةْ في الريّ

في قُعر الشارع تقبع مربوعة الشيابين؛ هكذا اصطلح سكان المنطقة علي تسميتها. لا أحد يذهب إليها، أو يجلس فيها. بل لا أحد يدري ما الذي يدور فيها من أنشطة أو أحاديث، ولا أحد يعرف أصل أولئك الشيوخ الذين يزورونها كُل ليلة كملهى مقدس أو كضريح خاص. فهي تابو مُشمع وعليك أن تشيب أولا حتى يُسمح لك بدخولها. أما إذا سبق ودخلتها، فلا تستطيع التحدث عنها بعدُ. هذه هي لعنتها كما يقولون.

ليلتها كان حميد جاهزا. قد لبس بدلته العربية المعتادة، ووضع فوقها الجَرد الوحيد الذي يملكه، وراثة عن أبيه. معتمرا قبعته الصوف لم ينس أن يترك مجالا لسوالفه الشائبة بياضا أن تعرض نفسها اختيالا لرائيها. ففي يومها قرر حميد، أخيرا، أن الخمسين عاما تكفي ليلتحق بالمغامرة المجهولة في نهاية الشارع. Continue reading “الحصلةْ في الريّ”

مارد القابينة

جمال مواطن ليبي صالح، يلبس الزبون أيام الجمعة وفي الأعياد، ويفضل أكل حساء الفاصولياء بالكرشة، ويقلب الشبشب كلما وجده مرميا علي قفاه. يحب بنت خالته القصيرة والفتاة الغامضة ذات الصوت الرقيق التي تزور بيت جارهم ميلاد عشيّة الخميس وأرملة صديقه السمراء وحتى تلك التي أخطأ يوما بطلب رقمها بدل رقم أمه والتي لم ير منها غير الظفر الزهري الذي يصاحب كوب الشاي في خلفية صورتها علي الفايبر، فجمال كأي مواطن ليبي صالح لديه طيف واسع من الأذواق. ثم أنه يعود المريض في اليوم الثالث من دخوله المستشفي بعلبتي عصير العنب، ويبخبخ أمام حوشهم عندما يشتد قيظ الصيف مرتديا سرواله القصير، وعندما يضرب زمور السيارة في زحمة الطريق يقول تلك الكلمة التي يقولها كل الليبيين عادة من هم في وضعه. يرقص علي النوبة بحرارة، ويلطخ زميله الذي تخرج للتو بأشنع أنواع الزيوت والبيض النيء النتن وريش الدجاج كحركة وفاء لاإرادية، وعندما يتكلم في السياسة تجتاحه تلك الرغبة الدفينة بقذف شتيمة. إذا وكما ترون، جمال مثالي جدا واكتسب أحقيته في الجنسية بكل جدارة. Continue reading “مارد القابينة”

محاولات فاشِلة

تُصبح المقبرة محفلا مهيبا عندما يُزف لها قاطن جديد، فتمتلأ بالناس والصراخ وطقطقات الأحذية المستعجلة فوق قبورها المتهالكة. وهذه المرة كان أبي.

في العادة، وهو ما أخفيه -وأفشل- عن أمي دائما، في العادة أشعر بإنجذاب لذيذ نحو المقابر، الواسعة منها تحديدا، وذلك في الأيام، أو الأوقات بالأحرى، التي تُترك فيها خالية من الزوار. وكثيرة هي تلك الأوقات.
أتِي في معظم تلك الأوقات إلى هنا، إلى هذه المقبرة بالذات، ربما لأن أسلاف العائلة وأبنائها كلهم من توفاهم الله يرقدون فيها، أو ربما ببساطة لأني أحب ذلك. Continue reading “محاولات فاشِلة”

الإستقرار في المُنتصف

(إستقري في قلبه يا عزيزتي) 

هذا ما وجدته مطبوعا جانبيا علي خصري حينما إستفقت يومها ، مع قبلة حارة ، لقد مررت كثيرا في علاقات مع الرجال في حياتي الطويلة ، لكني لم أتورط في علاقة مع أحدهم حد أن يوشمني بشيء كهذا ، كانت تلك أول مرة ، وأخر مرة .
للغرابة ، وللحق لقد كان ذلك هدف حياتي منذ بدايتها ، منذ إنصهاري ، ومنذ أن صرت ما صرت عليه ، إن الإستقرار كان ويظل منشدي ، وحينما وجدته موشوما علي زادت قناعاتي به ، بل حاجاتي له ، لا يهم أي قلب ، لا يهم أي رجل ، إن الذي يهم هو الإستقرار! Continue reading “الإستقرار في المُنتصف”

هذيان أصفر

وحيد في خضم بحر لجّي ، مركبه صغير جدا علي حاجيّاته ، العاصفة ترغم المركب الخشبي التالف علي الرقص كامرأة يشدّ خصرها لحن بديع !
ما الذي أتى به إلى هنا؟ لم يحمله الوقت علي أن يتساءل أو يفكر ..
البرق يرعد ، والرعد يضرب صوتا أشبه لأن يكون الصوت الذي يخرج عن سوط مربّي الثيران! هل هذا هذَيان ؟ 
من حوله ترقد بضعة أشياء تدفع المركب علي التنازل ، علي الخمول ، بدأ في تفريغ الحمولة خشية أن يغرق.
حقيبة ظهر جلدية ذات طابع ايطالي ، تحمل في جوفها أكثر ما تحمل ذكريات مشبعة برائحة أشجار الكروم في سفح ذلك الجبل ، في جحر تلك القرية البعيدة قليلا عن ميلانو ، وعطر صابون غسل الصحون وفوح الألعاب النارية المحترقة في كل عيد ميلاد Continue reading “هذيان أصفر”

زبدٌ أبيضْ

“كلّ شيء يبدو أبيضا .. حتى عقلي الذي ظننت أنّي لن أتركه يُمحّى هكذا!”
فكّر ، وهو يقرفص أمام بحر هائج ، أمواجه تصتفق في عجل ، والليل ساقط على حافة البحر مغمى عليه من فرط التعب ، إلا أنه فكر مجددا :
“تُرى أهو ليلٌ حقا؟” ثم تذكر أن ذلك لا يهم ، فكل شيء –علي أية حال- يبدو أبيضا!
الأمواج مشغولة جدا لأن لا تنشغل ، ولم يهمها أن أكبر الأطباء السيكولوجيين معرفة في بلده كان يجلس أمامها ، يحاول أن يوقفها ، أن يسألها ، يحاول أن يفحصها دون أن ينسى أنه يدرس إذ يمحصّها ظاهرة غير إنسانية ، لكنه كان يدرك أن الإنسان نموذج مصغر عن البحر ، بكلّ هيجانه وطيشانه وعلمه وكنهه وحتى بعمقه ، فالإنسان مهما تقدم لابد أن ينحسر ويتراجع كموجة ساعية فخائبة فتائبة. Continue reading “زبدٌ أبيضْ”