حُمى الإحساس (الكتابة عن الكتابة 3)

 

أكملت للتو مذكرة أخرى.
مذكراتي، بالنسبة لي، نافذة. قناع الأكسجين الذي ينزل من السقف كالرحمة لرواد الطائرة المضطربة. لست أدرى كيف يمكنني أن أعيش بدونها، بل بالأحرى، كيف يمكنني رؤية العالم دونها. كنظّاراتي تماما، عليّ ارتدائها بشكل متكرر لأرى الأشياء نقية دون تشويشها المعتاد.
بالنسبة لإنطوائية، يبدو العالم مرعبا جدا من الخارج، ومن الداخل على حد سواء. كفتنة حرجة، لذيذة لغايتها ولكنها ألذ دوما من بعيد. وبفتنته هذه، يصعب عليّ أحيانا أن أراه بوضوح.يتغشاه غثامة الغموض، كطرحة عروس. وبمذكراتي، أشعر أني، إن لم أرفع هذه الطرحة لأرى حقيقة الوجه الذي يقبع خلفها، قد ذهبت إلى حد بعيد في تخيل ملامح هذا الوجه. نعم، قد لا تهديني مذكراتي حقيقة هذا العالم، ولكنها تعطيني الحقيقة التي تشبهني،

Continue reading “حُمى الإحساس (الكتابة عن الكتابة 3)”

Advertisements

الصديق المخلص

في إحدى الصباحات أخرج جُرد الماء العجوز رأسه من جُحره. لديه عينان مشرقتان كخرزتين وشاربين خشنين، أشهبين وذيل طويل يبدو كقطعة مطاط سوداء. البطّات الصغيرات تسبح هناك في بركة المياه، تشبه كثيرا طيور الكناري الصفراء، أما أمهم؛ التي كانت بيضاء تماما لا يشوبها غير ساقيها الحمراوين، فقد كانت تحاول أن تعلمهم كيفية الوقوف علي الماء برؤوسهم.

“لا يمكنكم الإنضمام لأرقى الجماعات حتى تقفوا علي رؤوسكم” هكذا ظلت تقول لهم. وبين الفينة والأخرى كانت تريهم كيفية القيام بذلك. ولكن البطّات الصغيرات لم يعيروها أي اهتمام. لقد كانوا صغارا جدا للدرجة التي لم يعرفوا بها ما هي ميزات أن يكون المرء في مجتمع ما علي أية حال.

Continue reading “الصديق المخلص”

الحصلةْ في الريّ

في قُعر الشارع تقبع مربوعة الشيابين؛ هكذا اصطلح سكان المنطقة علي تسميتها. لا أحد يذهب إليها، أو يجلس فيها. بل لا أحد يدري ما الذي يدور فيها من أنشطة أو أحاديث، ولا أحد يعرف أصل أولئك الشيوخ الذين يزورونها كُل ليلة كملهى مقدس أو كضريح خاص. فهي تابو مُشمع وعليك أن تشيب أولا حتى يُسمح لك بدخولها. أما إذا سبق ودخلتها، فلا تستطيع التحدث عنها بعدُ. هذه هي لعنتها كما يقولون.

ليلتها كان حميد جاهزا. قد لبس بدلته العربية المعتادة، ووضع فوقها الجَرد الوحيد الذي يملكه، وراثة عن أبيه. معتمرا قبعته الصوف لم ينس أن يترك مجالا لسوالفه الشائبة بياضا أن تعرض نفسها اختيالا لرائيها. ففي يومها قرر حميد، أخيرا، أن الخمسين عاما تكفي ليلتحق بالمغامرة المجهولة في نهاية الشارع. Continue reading “الحصلةْ في الريّ”

مارد القابينة

جمال مواطن ليبي صالح، يلبس الزبون أيام الجمعة وفي الأعياد، ويفضل أكل حساء الفاصولياء بالكرشة، ويقلب الشبشب كلما وجده مرميا علي قفاه. يحب بنت خالته القصيرة والفتاة الغامضة ذات الصوت الرقيق التي تزور بيت جارهم ميلاد عشيّة الخميس وأرملة صديقه السمراء وحتى تلك التي أخطأ يوما بطلب رقمها بدل رقم أمه والتي لم ير منها غير الظفر الزهري الذي يصاحب كوب الشاي في خلفية صورتها علي الفايبر، فجمال كأي مواطن ليبي صالح لديه طيف واسع من الأذواق. ثم أنه يعود المريض في اليوم الثالث من دخوله المستشفي بعلبتي عصير العنب، ويبخبخ أمام حوشهم عندما يشتد قيظ الصيف مرتديا سرواله القصير، وعندما يضرب زمور السيارة في زحمة الطريق يقول تلك الكلمة التي يقولها كل الليبيين عادة من هم في وضعه. يرقص علي النوبة بحرارة، ويلطخ زميله الذي تخرج للتو بأشنع أنواع الزيوت والبيض النيء النتن وريش الدجاج كحركة وفاء لاإرادية، وعندما يتكلم في السياسة تجتاحه تلك الرغبة الدفينة بقذف شتيمة. إذا وكما ترون، جمال مثالي جدا واكتسب أحقيته في الجنسية بكل جدارة. Continue reading “مارد القابينة”

محاولات فاشِلة

تُصبح المقبرة محفلا مهيبا عندما يُزف لها قاطن جديد، فتمتلأ بالناس والصراخ وطقطقات الأحذية المستعجلة فوق قبورها المتهالكة. وهذه المرة كان أبي.

في العادة، وهو ما أخفيه -وأفشل- عن أمي دائما، في العادة أشعر بإنجذاب لذيذ نحو المقابر، الواسعة منها تحديدا، وذلك في الأيام، أو الأوقات بالأحرى، التي تُترك فيها خالية من الزوار. وكثيرة هي تلك الأوقات.
أتِي في معظم تلك الأوقات إلى هنا، إلى هذه المقبرة بالذات، ربما لأن أسلاف العائلة وأبنائها كلهم من توفاهم الله يرقدون فيها، أو ربما ببساطة لأني أحب ذلك. Continue reading “محاولات فاشِلة”

الطرف الأخر من السماء

كانت غيمة وحيدة في الطرف الأقصى من السماء، أزعجها البحر عصبيّ المزاج، فحملت متاعها وابتعدت عنه.
سمعت يوما بينما كانت تتمشى الهوينة طائرا من الصقور يحلق في فضاء الله يخبر صديقه عن الأرض الموعودة في الطرف الأخر من السماء، حيث جنة الغداء والمؤى والعلاقات. فسألته ما اسم الأرض، فقال إن اسمها الصحراء. Continue reading “الطرف الأخر من السماء”

المعرفة والجحيم

كل شيء بدأ عندما قررت أن تتسائل ..
أكان عليك أن تضحي بكل تلك الأريحية مقابل ترف الفضول؟ ساعات من النوم وهناء الليل السخي وبضاعة مسجاة من القناعة؟
مع هذا يبدو الندم غائبا عن ملامحك، ومع هذا أيضا ترقد هناك أشباح العصور التي خلت والتي لم تأتي بعد. تحمل في نظرتك بؤسا لا تعرف سببه، وعلي كتفيك تجربة طويلة الباع في التقصي والبحث والفشل المدويّ كخيبة،وفوق رأسك طيور من الأسئلة العقيمة Continue reading “المعرفة والجحيم”