محاولات فاشِلة

تُصبح المقبرة محفلا مهيبا عندما يُزف لها قاطن جديد، فتمتلأ بالناس والصراخ وطقطقات الأحذية المستعجلة فوق قبورها المتهالكة. وهذه المرة كان أبي.

في العادة، وهو ما أخفيه -وأفشل- عن أمي دائما، في العادة أشعر بإنجذاب لذيذ نحو المقابر، الواسعة منها تحديدا، وذلك في الأيام، أو الأوقات بالأحرى، التي تُترك فيها خالية من الزوار. وكثيرة هي تلك الأوقات.
أتِي في معظم تلك الأوقات إلى هنا، إلى هذه المقبرة بالذات، ربما لأن أسلاف العائلة وأبنائها كلهم من توفاهم الله يرقدون فيها، أو ربما ببساطة لأني أحب ذلك. إقرأ المزيد

Advertisements

الطرف الأخر من السماء

كانت غيمة وحيدة في الطرف الأقصى من السماء، أزعجها البحر عصبيّ المزاج، فحملت متاعها وابتعدت عنه.
سمعت يوما بينما كانت تتمشى الهوينة طائرا من الصقور يحلق في فضاء الله يخبر صديقه عن الأرض الموعودة في الطرف الأخر من السماء، حيث جنة الغداء والمؤى والعلاقات. فسألته ما اسم الأرض، فقال إن اسمها الصحراء. إقرأ المزيد

المعرفة والجحيم

كل شيء بدأ عندما قررت أن تتسائل ..
أكان عليك أن تضحي بكل تلك الأريحية مقابل ترف الفضول؟ ساعات من النوم وهناء الليل السخي وبضاعة مسجاة من القناعة؟
مع هذا يبدو الندم غائبا عن ملامحك، ومع هذا أيضا ترقد هناك أشباح العصور التي خلت والتي لم تأتي بعد. تحمل في نظرتك بؤسا لا تعرف سببه، وعلي كتفيك تجربة طويلة الباع في التقصي والبحث والفشل المدويّ كخيبة،وفوق رأسك طيور من الأسئلة العقيمة إقرأ المزيد

الإستقرار في المُنتصف

(إستقري في قلبه يا عزيزتي) 

هذا ما وجدته مطبوعا جانبيا علي خصري حينما إستفقت يومها ، مع قبلة حارة ، لقد مررت كثيرا في علاقات مع الرجال في حياتي الطويلة ، لكني لم أتورط في علاقة مع أحدهم حد أن يوشمني بشيء كهذا ، كانت تلك أول مرة ، وأخر مرة .
للغرابة ، وللحق لقد كان ذلك هدف حياتي منذ بدايتها ، منذ إنصهاري ، ومنذ أن صرت ما صرت عليه ، إن الإستقرار كان ويظل منشدي ، وحينما وجدته موشوما علي زادت قناعاتي به ، بل حاجاتي له ، لا يهم أي قلب ، لا يهم أي رجل ، إن الذي يهم هو الإستقرار! إقرأ المزيد

هذيان أصفر

وحيد في خضم بحر لجّي ، مركبه صغير جدا علي حاجيّاته ، العاصفة ترغم المركب الخشبي التالف علي الرقص كامرأة يشدّ خصرها لحن بديع !
ما الذي أتى به إلى هنا؟ لم يحمله الوقت علي أن يتساءل أو يفكر ..
البرق يرعد ، والرعد يضرب صوتا أشبه لأن يكون الصوت الذي يخرج عن سوط مربّي الثيران! هل هذا هذَيان ؟ 
من حوله ترقد بضعة أشياء تدفع المركب علي التنازل ، علي الخمول ، بدأ في تفريغ الحمولة خشية أن يغرق.
حقيبة ظهر جلدية ذات طابع ايطالي ، تحمل في جوفها أكثر ما تحمل ذكريات مشبعة برائحة أشجار الكروم في سفح ذلك الجبل ، في جحر تلك القرية البعيدة قليلا عن ميلانو ، وعطر صابون غسل الصحون وفوح الألعاب النارية المحترقة في كل عيد ميلاد إقرأ المزيد

زبدٌ أبيضْ

“كلّ شيء يبدو أبيضا .. حتى عقلي الذي ظننت أنّي لن أتركه يُمحّى هكذا!”
فكّر ، وهو يقرفص أمام بحر هائج ، أمواجه تصتفق في عجل ، والليل ساقط على حافة البحر مغمى عليه من فرط التعب ، إلا أنه فكر مجددا :
“تُرى أهو ليلٌ حقا؟” ثم تذكر أن ذلك لا يهم ، فكل شيء –علي أية حال- يبدو أبيضا!
الأمواج مشغولة جدا لأن لا تنشغل ، ولم يهمها أن أكبر الأطباء السيكولوجيين معرفة في بلده كان يجلس أمامها ، يحاول أن يوقفها ، أن يسألها ، يحاول أن يفحصها دون أن ينسى أنه يدرس إذ يمحصّها ظاهرة غير إنسانية ، لكنه كان يدرك أن الإنسان نموذج مصغر عن البحر ، بكلّ هيجانه وطيشانه وعلمه وكنهه وحتى بعمقه ، فالإنسان مهما تقدم لابد أن ينحسر ويتراجع كموجة ساعية فخائبة فتائبة. إقرأ المزيد

عُقدة في نافذة

سحابات الصيف خادعة ، والضحكات المحشوة في وجوه الأطفال غير قابلة للتصديق ، والأزواج مصطلح عابر في سِير الحياة ، والمياه الجارية لا تكترث للمصطبة الصغيرة التي ترتفع قليلا عن عتبة الباب الخارجي ، فتندفع إلي الشارع جارفة معها أسرار صغيرة ككل مرة تُقام فيها حملة تنظيف للفسحة الأمامية من المنزل ، هكذا فكرت ، وراحت تتساءل بحيرة محدقة في المياه المنسابة من بين قدميها ، المُندلفة نحو الخارج : أه لو أنّي مياه تشطيف!  إقرأ المزيد

تَرنيمات عِيد الميلاد

الخريف لا يأتي دونما أن يكون دراماتيكيا ، يمر علي رؤوس الأشجار فيمسيها صلعاء دون أوراقها ، ويهمس لرياح الصيف الكسولة فتهيج غضبا وتزبد وترعد بالأجواء ، فتمنع الغيوم اللطيفة التي أتت راجية البكاء أن تمارس حقها ، فتعدو المسكينة بعيدا لتمطر بغير البلد ، فتترك الأرض جرداء ، ويقال في هذه الحالة أن الأرض مصابة بالخريف!
ولم يختلف الخريف كثيرا هذا العام ، أو هكذا كانت تراه سلمي. إقرأ المزيد

حِيطان

تصاعد الدخان المُنطلق من سِيجارة المالبورو التي تتلاعب كجنية حدقة بين شفاه جلال لتكون غيمة سرحت بعيدا مع مثيلاتها في المقهي المنزوي بنفسه في طرف الشارع ، أبدى صديقه إبراهيم عدم راحته في وجود قبيلة من السجائر تنفث سمومها في أنحاء محيطه. فتحركت مشاعر (إنت مش أحسن مني) في الجانب المِحسدي من جلال والذي قال ممتعضا إقرأ المزيد

في زاويةْ

اسمي عبد ، عمري لم يعد مهم ، أعيش علي ناصية طريق ، أتي كل يوم إلي هنا ، أجلس علي هذا السور ، أصادق هذه الزاوية ، أترك قدماي لتتدلي إلي أسفل ، يلاعبهما الهواء غير مكترث بوجودهما ، كما لا يكترث أي أحد أخر بي !
يرسلني الفجر حرا ، فأنطلق إلي هذا السور المصفر ، حيث كثير من الأشياء تمر بالطريق ، ولا أخفيكم أن هذا هو شغلي الشاغل ، مراقبتهم ، التعجب منهم ، ومن ثم العودة في الغد لمراقبتهم من جديد … إقرأ المزيد