مسائل الوجود (الكتابة عن الكتابة 4)

 

من الغريب أن يجد المرء نفسه عاجزا عن افتعال الكلمات. هذا الشيء الوحيد الذي يبرع فيه. هذه السكّينة التي لم تؤذه قط. لما هو الآن عاجزا حتى عن افتعال هذه الوسيلة الوحيدة لشفائه؟
كيف تجرؤ الحياة عن سرقة كنز وأثر رجل وحيد في الخلاء؟ كيف لها أن تسمح بهذه السخرية العجيبة؟
إذا لبيت النجّار بلا باب حقا ..

افتقاري للكلمات مؤلم. ليس لأني جيدة في خلقهن، ولكن لأني لست جيدة في أي شيء أخر. عجزي المتواصل للتواصل مع الروح الإنسانية، وقلة حيلتي أمام أصالة المظاهر الإنسانية المختلفة لا تترك لي إلا ممرا ضيقا جدا داخل هذا العالم لأقيم فيه مجدي. هذا المجد الذي لن يصله ضوء الشمس يوما.

بالنسبة لي الأمر شخصي جدا. حسنا .. ربما كل كاتب

سيقول ذلك ولكن قلة من سيعنونه. وقلة من القلة ستعمل به .. عندما يأتي الأمر لعملية الكتابة، يصبح الأمر “أنا” و”الآن” و”للأبد”!
عندما يأتي الأمر للكتابة تصبح اللحظات خالدة والشعور أبدي. عندما أطبع الحروف أو أكتبها علي ورق تصبح كل خطيئة مغفورة، وكل فرصة ممكنة. كل نقطة بحرا، وكل فاصلة انعتاق. الماضي يصير فيلما يستحق المشاهدة مع صديق الطفولة، والمستقبل يتخفف من أعباء أبائه، فليس هناك المزيد من اللحظات القادمة، فقط تلك اللحظة التي تقول فيها كل شيء كما يجب أن يكون، بالطريقة الأفضل ليكون، وانتهى .. هذه هي معجزة الكتابة. بالنسبة لي على الأقل ..

لربما كان هناك شيئا خاطئا فيني، لا أدري. بل أدري ولكن الإعتراف مزعج قليلا ..
دائما ما أشعر أني الغريبة وسط أي مجموعة من الأفراد، هذا ربما لأني لا أفهمهم أبدا على أنهم مجموعة متصلة ومنفصلة، ولا سيما كوني فردا داخل هذه المجموعة، هذه الطفرة المريضة فيني التي تجعلني أبدا شاقية بتفاصيل التفاصيل، عدا عن التمتع باللوحة ككل. فكل علاقاتي سطحية، وكل تجاربي في الحب طرفية، وممسوخة. إن الكتابة هي الفعل الإنساني الوحيد، أو من الأفعال النادرة جدا، الذي لا يحتاج فيها صاحبها – أنا – طرفا مكملا أخر ليقوم بها علي الوجه المطلوب. فكل العالم هناك من أجل ذلك. إنها الفعل الوحيد الذي أمارسه وحدي دون أكون مع ذلك مسخا.

ولكن أن تفقد حتى هذا التواصل الشخصي مع نفسك؟ مع العالم؟ مع وعيك الذي لم تشكله يوما غير الكلمات؟

كيف لك أن تقول أن هناك تراجيديا أعظم من هذه؟ محنة أكثر بلاءا من هذه؟

عندما أقول أن حياتي متوقفة على الكتابة فليس الأمر مجازا .. وليس مجازا أيضا عندما أقول أني قد أفعل أي شيء من أجلها. إني أرغب في ترك عملي الذي أُرغم فيه علي كتابة أشياءا لا أؤمن، أو أشغف بها فقط لأني لا أستطيع أن أتخيل نفسي أخون الكتابة مع شيء فانٍ كالمال! لم أسطع حقا أن أكتب خارج وعيي، لقد تملكتني الكتابة تماما، وتملكت وفائي حتى لا يمكنني بعد الآن أن أجد العزاء في غيرها.

لا أقدر على افتعال الكتابة. أنت لا يمكنك أن تفتعل الحب كلما عنّ لك ذلك، أليس كذلك؟ فلما يكون الأمر مختلفا معي؟

الكتابة حقا تشبه عندي فعل الحب؛ صارخٌ إذا سكت، صامت إذا تكلم. مقبل، مدبر، يصل الذروة بعد مشقة ثم يهدأ فجأة كموت العواصف. سكينة عقب جنون، وجنون داخل السكينة.
أما عندما يعجز المحب عن فعل الحب؟ هذه كارثة دامية، وجرح كوني أخرق ..

لكن في الكتابة لا داعٍ أن تكره نفسك لأنك متناقض، أو لأنك ترى الأشياء علي الطريقة التي ليست إياها. في الكتابة لا تخجل لأنك تُقبل الحقيقة أيا كان وجهها. في الكتابة لا تكذب لأنك تدرك أنك لا تتحدث إلا إلى مرآتك، وحتى وإن آذى قولك أحدهم. لأن فأسك هذا عليه أن يكسر جليد أحدهم، كما ينص كافكا. ولذلك عليك أن تكون شجاعا، ليس من أجل نفسك فحسب، بل من أجل كل العالم.
أما أنا فأنُص: يا لكتفيك الهزيلتين!

ولأن الكتابة على ذلك القدر من المسؤولية، والعفوية على حد السواء .. لهذا يروق لي أن أكتب، لأني حينها فقط أكون على حقيقتي. لا أغطية أو أقنعة أخرى أهرب وراءها. لا فردا أخر من العائلة أخافه، أو صديقا ما لأرضيه. هناك فقط هذه الحالة الخالدة من الوجود، عندما تقول كل ما في جوفك علي علّاته، وأوزاره. تدلق كل تلك الأنهار الحاصلة عند سر جوفك فتندلف معها حكياتك كلها التي صنعتك، وأسرَتك. بل ربما تصب عند بحر أخر وتعادل ملوحته كما عادتلك ..

في الكتابة لا مجاملة. كل هذه الوجوه التي نبتسم لها في الصباح والمساء كالأذكار. كل تلك الخيبات التي سكتنا عنها خشية الفراق، والفضائح الدرامية شبه المتكلفة تذهب للجحيم حيث يجب أن تذهب. ليس هناك غيرك، والحقيقة التي لطالما اشتهيت. تعرف؟ الكتّاب أبناء مجنة، وإلا لما اختبئوا في عوالم أخرى خشية أن يواجهوا هذا العالم الزائف. ولكن مجددا، أليس أبناء المجنة هم من صنعوا التاريخ العريض؟

ولأن الكتابة تعني وضعا إنسانيا من الإدراك الشخصي جدا، ولكن أيضا وعي جمعيّ خارق، تصبح العقدة إذا أصابت صاحبها عقدة وجود لا مثيل لها. يدخل الكاتب معها في حالة مرضية مما يسميه العارفون مأزقا وجوديا مؤلما. وتصير المسرّة التي كانت دائما وسيلة للنمو، قرحة مزعجة تأكلك، وتأكلك دون أن يكون بمقدورك أن تعالجها. لأن ببساطة الكتابة نفسها كانت دائما، وستبقى وسيلتك الوحيدة للشفاء..
وفي هذا بلاءك، وعزاءك معا.

.
.
أ. أبوعقرب
29-3-2018

Advertisements

2 thoughts on “مسائل الوجود (الكتابة عن الكتابة 4)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s