اعترافات صيفية

يا ذنبا لم أقترفه. يا غفرانا لا أستحقه.
.
.
اليوم أدركت شيئا جديدا. شيءُ جديد أخر. شيء جديد يُضاف لتلك القائمة القديمة التي ما تنفك تتسع مثل كون أخرق.

اليوم أدركت أن العودة صعبة جدا، هذا إذا لم تكن مستحيلة ..

أقول؛ فقط لو كانت مسألة الإنتحار أقل دراميّة ..

تعلم؟ ربما هذا هو الوقت الذي أحتاج فيه للحضن الضائع بين مسافتينا. أعترف أحيانا أن المعركة معركتي، وأن وجودك من عدمه، قربك من بعدك، محبتك من لا مبالاتك ليست إلا أطرافا خارجية لا تغني من النصر رصاصة!
ولكن اليوم أدركت شيء جديد آخر؛ أنه أحيانا الفوز لا يهم ..

لقد تغيرت كثيرا منذ أخر مرة نظرت فيها للمرآة، وأكثر بكثير منذ أخر مرة نظرت لنفسي في عينيك. صرت أرى وجها جديدا كل صباح، لعدة مرات في اليوم. لا عجب أنه لا يمكنك التعلق بي؛ فكيف يمكن التعلق بشيء يبتدع ذاتا غريبة كل الغرابة كل لحظة؟ أي ذات تلك قد تُحب؟

إني أعيش صيفا دائما.
تعرف؟ أحيانا أفقد القدرة علي التنفس كما لو كنت في عزّ ظهيرة قانطة.

لا أدري لما أظل أتهرب من الحقيقة. الحقيقة التي أردت أبدا أن أشاركها إياك .. أظل أهرب لتشبيهات عرجاء،  وجمل سقيمة علي أمل أن تأخد انتباهك نحو وضع أقل تراجيدية، وأفتح شهية بيننا. إني أنا الموصومة دائما بالكلمة المكتوبة، لا يمكنني أن أهرب من الحقيقة المجردة أيضا. لكن كيف لي أن أشرح لك وضعي الناريّ إن كانت كل أيامك زرقاء، ومُثلجة؟
كيف لي أن أشكو لك دبق الماضي اللزج إن لم تختبر في حياتك كلها سوى درجات متشابهة من ظل واحد؟

ربما لو كنت أرى في وفائك أكثر من مجرد مظهر إنساني، ربما قلت أن كل ما نحتاج أن نفعله لنكتشف هذه الحقيقة الضائعة بيننا هو أن نتصادم، ونمتزج، وننسحق سويا!
نيزكا يضرب نيزكا. بركانا ينفجر داخل بركان. بحر يطفو فوق بحر.

لكنك لم تكن يوما نيزكا. ولا بركانا، ولا بحرا. هذه هي الديلما. وإلا لما كنت تِقت لك كما يتوق النيزك للإنطفاء، والبركان للسكون، والب؟حر للإندلاق نحو الصحاري المنبسطة، الهادئة.
فأنا النيزك، وأنا البركان، وأنا البحر ..
ولكن لما كل هذا الهروب مجددا؟ نحو الكلام المنمق، والعبارات الفضفاضة ..
لا أدري ..

تدري؟ ربما تكون هي عادتي في تفخيم الأشياء، وبعثرة المسلمات .. لكنيّ لم أعد كما كنت.
لما أقول لك هذا مجددا؟
لا أدري ..

لكن أتدري؟ ربما تكون هي عادتك في تجريد الأشياء، وفهمها كما لو كانت ألعاب لوقو ملونة.
هذه مع هذه، وتلك فوق تلك، وانتهينا ..
لا شكل لي ليتداخل مع شكليتك، هكذا لابد أنك تُفكر ..

لكنّي لا أريدك أن تفكر بالمنطق الأرسطي هذا! فأرسطو لم يكن بحرا، ولا صحراء. أرسطو لم يذق طعمة التوق، ولا بلادة الكبرياء!
نحن لا نتراكب لأنك ترى في اجتماعنا المزعوم الجانب المجرد، الأخرق. ولكن ماذا لو فكرت بتجريد أكبر من هذا بقليل؟
لو ذهبتَ أبعد من هذا بقليل وجردت الأشياء حتى روحها ..
انظرْ إلى هذه العاصفة التي هي أنا تسوح كدرويش تائه حول الهدوء الذي هو أنت ..

لا عاصفةً تسبق الهدوء، ولا هدوءا يسبق العاصفة.

بل هلّا جردت الأشياء أبعد بقليل بعد؟ أبعد حتى من روحها ..
ها هي كل التراكيب ممكنة..
كل الضمائر مختزلة في جوهر فريد واحد ..
كل المنطقيات عدم.

أوه، لكني لم أخبرك الحقيقة بعد على كل حال، إن الدرويش ليظل يحوم حول المفردة حتي يضيع، ولا يصلها ..

إذا تعال نرقص سويا، ودعني أنسى كل هذه المحاولات الفاشلة للبوح!
فأحيانا أقول؛ لم تكن الحقيقة يوما بين يديّ، أنا الشقيّة بها أبدا.
قد تكون بين يديك أنت ..
بين هاتين الصحراواتين الخاليتين ..
في هذه المسافة الخالدة ..
في هذا التوق الحائر ..
في هذا المد المحصور بجزره ..
في هذه اللحظة الفانية ..
.

.

.

  • من رسائل أغسطسية للفتى فبراير.
  • 21-مارس-2018
Advertisements

4 thoughts on “اعترافات صيفية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s