أحبك منذ ألف عام أو يزيد

أحبك منذ ألف عام أو يزيد ..

عندما كُنا أرواحا نطفو علي سطح العدم.

كان الله برحمته المباركة قد جمعنا سويا .. وكان كل شيء لا يبدو علي الإطلاق سوى ذاك الأبد السردمي من الحب.

رأيتك حينها رغم أني كنت بلا عينين، لا أدري.

أحببتك حينها عندما كنّا لا شيء، قبل أن يكون لي قلب، لا أشعر.

أحببتك لأن لا شيء أخر بدا صوابا، لأن الله حكيم، لأنه خلق الروح وزوجها. أنا كنتك وأنت كنتني قبل الحياة. قبل هذه الحياة التي عندما حان دورنا لإرتيادها فصلتنا!

أحبك منذ ألف عام أو يزيد ..

ثم نزلنا إلى الأرض. وكان نزولك إلى الأرض أسرع من نزولي لأني كنت أكثر تشبثا بالعدم الذي جمعنا. هل رأيت الإختلاف ما بيني وبينك؟

ثم نزلنا، أنت أولا تسبقني ببضع سنين من الحياة وبآلاف السنين الضوئية من الخبرة الحياتية، ثم أتيت أنا. وكحوّاء النازلة لتوها من الجنة كنت علي كوكب أخر غير كوكبك. تفصلنا ربما مقدار ضئيل من الكيلومترات، ولكن ما فصلنا حقا هو أننا لم نتعرف علي بعضنا قط. حتى ذلك اليوم!

أول يوم رأيتك فيه بهاتين العينين البشريتين كان في عز ضجيج المراهقة. لذلك عندما رأيتك ونبض في قلبي شيء للمرة الأولى لم أكترث، فقد حسبتها إحدى تلك التعرجات المرحلية والعمرية حيث تأخذ الأشياء السخيفة مكانا. ولا أضمر أني كنت معجبة بك حينها، ليس لمنظرك فلم أميزك بهيئتك البشرية بعد، ولكني أحسست أن فيك شيء ينتمي لي منذ الأزل. ثم كان أن تعرفت عليك أكثر بطبيعة الحال، تحت ظروف الحياة الغريبة، التي تضع الزيت مع الماء في إناء واحد ومع هذا تمنعهما من الإمتزاج. كنت أراك هناك يوما بعد يوم، كلما أحببت أن أراك، فلم يكن الأمر صعبا ولا مستحيلا، ولكنه علي الروح كان. ومع هذا أراك كيفما أتفقت شروط ذلك اللقاء. كنت أراك ولا أمتزج معك، أراك وأقترب منك قدر أونصة ولا أندمج فيك. كأي روح شاردة ترى مؤواها أمامها ولكنها تمضي نحو المجهول، سبيلا لغير أذية له ..

وعلمت حينها يقينا في إحدى الأمسيات التي جمعتني بك وبغيرك في المكان ذاته، علمت حينها بعد ضحكة طويلة وسخيّة منك بمناسبة شيء لا أتذكره الآن تماما، علمت بعد ضحكتك تلك أنني قد تأخرت كثيرا في التعرف عليك. لقد أضعت عمرا كبيرا وأنا بعيدة عنك، عمرا كان كفيلا بإعطاءك حياة كاملة الدسم والتفاصيل تحياها دون أن تتساءل ما الناقص فيك. عن تلك الروح التي شاركتك العدم يوما ما .. كان في بعض كلماتك تورية خفيفة تهمس لي أنك تعلم من أنا علي وجه الحقيقة. وأنك تحمل في قلبك مكانا لم يمتلأ بعد، وأنه باقٍ لي. باقٍ لي أنا.

ولكني عجزت أن أصدق ذلك. فأنا حقيقية أكثر من أصدق ذلك. ألم أخبرك؟ لقد رزقني الله جسد أنثى عبثية وعدمية إلى حدً بعيد جدا يستحيل معه أن أنكر الوقائع. ونعم، أنا لا أستطيع أن أتخيل اليوم الذي ترى فيه بعين قلبك قلبي، وأن تعلم أنك قد تأخرت كثيرا في طرق ذلك القلب. لا أستطيع أن أصدق ذاك الخيال، فأنا جد صادقة إلى الحد الذي أعرف فيه أنه مجرد خيال روح تتسلى ببضع احتمالات للعودة لوطنها.

ومع هذا أستمر في لقياك. مع الشعور البغيض القابع في قلبي، والفكرة العقيم النابتة في ذهني عن كونك لا تنتمي لي بعد الآن. عن حقيقة أن حظي أسوء مني حتى!

ونعم، أنا أستمر في لقياك بوجه جامد، وابتسامة صداقة باردة، وبكلمات خجولة علي إقامة أي حرب ضد كرامتي. لكنني أتسائل دوما عندما أخلفك؛ هل تفضحني عيناي عندما أنظر إليك بينما تضحك؟ في تلك اللحظات التي أفقد فيها كل تواصل مع العالم الخارجي مقابل الإنشداه أمام هذه الحالة الإنسانية الفريدة. هل تفضحني عيناي؟ ولا أظنك غبيا للدرجة التي تقرأ فيها هذه الرسالة فتجيب، ولكنه وله اللبيبات الحيارى!

وأنا، وإن كنت أتكلم عنك بمرارة فقدان عزيز، فأنا لا أسترجي على كل حال أن أمتلكك من جديد. لا، ليس بعد الآن. فلك حياتك الضخمة، ولي صندوقي الصغير.

وربما بعد أمد بعيد جدا في عالم أخر سنجتمع سويا، كأرواح لا مادة لهم لتعزلهم عن بعضهم بعضا. وأنا في الختام أقول، أحبك منذ ألف عام أو يزيد.
وسأظل حتى الأبد علي العهد الأول.

 

– من مشروع (رسائل أوغسطية للفتى فبراير)
2015
.
.
أية أبوعقرب

Advertisements

2 thoughts on “أحبك منذ ألف عام أو يزيد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s