القفزة

وقفت روح أمام الهاوية. تنظر لأسفل نحو ما يسمونه هناك بالتجربة. تنظر بحذر. إذا نزلت الآن فستتاجر بحالتها الوجودية. هنا الإحساس الكُليّ. هناك الإدراك الكليّ. أحدهما فقط لكل مرّة. لطالما أحست روح بحاجتها للإنشطار والتبرعم. ولكن القفزة مُرعبة.

نظرت نحو الأسفل خلال هذا السائل الرقراق، المائع! إذا قررت ونزلت خلاله الآن فلن يكون هناك من عودة إلا بالطرق الصعبة. كما أنها سمعت أن هذا النوع من التجارب له روتين مُغري. وقفت تُشاهد أرواحا أخرى وهي تأخد قرارها العظيم وتقفز نحو هذا السديم السائل. تغطس فيه ساعية إلى تجربة من الفناء! تتصلب هذه الأرواح الغير محدودة وتتجسم لها أشكالا في طريقها نحو الأسفل. تعرف روح بفطرتها الأصيلة أن هذه العادة صارت تقليدا منذ تلك الروح الهائمة التي أسماها الرب آدم. هي لم تخطيء مثل آدم، ولكنها مرتبطة بما فعله آدم بطريقة ما، كارتباط السبب بالنتيجة.
رفرفت حول الحاشية. دارت مع الدائرة. أتاها صوت صارخ من الأسفل يدلّ على وصول روح هابطة للأرض. شيء في الصرخة، وشعور راضخ منذ عهد آدم رابض فيها كفطرة حفزّاها أن تقفز. هكذا فجأة كأنها مُساقة بفعل يسبق الإرادة، ففعلت.

كانت لا تزال حائرة، وخائفة وتائهة. لذلك عندما قفزت ضمت جناحيها إليها منكمشة، وانطلقت تتلوا تضرعها بدعائها المؤلوف. صحيح أنه ليس إلا دعاء حُب، ولكن هناك شيء ستتعلمه لاحقا أنه في الدعاء لا تُهم الكلمات، وإنما الهمهمة.

لآلاف الدهور ظلت روح تنزل لأسفل خلال السديم المائع كسائل، والكثيف كالأرواح الطازجة، المولودة لتوها. راحت تهبط في رحلة عظيمة خلال تشكلها في السائل إياه. وكلما هبطت نحو الأسفل فقدت الإحساس بأثيرها الروحي نحو جزئيّات أبسط مقابل إدراكها بوجودها الفيزيائي، والداخلي.

بعد مُضيّ ما يكفي من أميال الرحلة، وبعد قطع أكوان، وأبعاد مُختلفة وكثيرة وصلت روح إلى الأرض. ووقتها لم تعد روح تُحس إلا باليسير، حتى أنها لم تسمع صرختها ذاتها وهي تنزلق خارج رحم أمها البيولوجية. هذه الطريقة الدرامية للحياة لجعل القفزات أكثر منطقية، وحميمية.

ثم لقد مضت بالفعل سنون كثيرة أخرى تحسن فيها إدراك روح بوجودها المحدود، روح التي صار لها اسم، وكنية. آدم، هكذا صاحت أمه عندما ركلها ببطنها لأول مرة، متيمنة بجحود الأب، ورحمة الرب. وها هي تترك أيضا أن لها جنسا، فلقد صارت ذكرا بعد أن لم تكون إلا زوج ما. وصار لها جنسية ولغة لتلك القومية وديانة. مصطلحات كثيرة كان عليها أن تتعلمها، مدركة في الآن ذاته بعينها الجوانية التي لا تفهم المنطق تماما، بعدُ أنها إنما حدود أخرى لا غير نحو هذا الوجود المؤقت.

لقد آمن بالرب، ليست بالطريقة التي تعودتها روحه في دهرها القديم؛ هكذا مباشرة ودون جهد. ولكن الآن عليه أن يؤمن مارا أولا بطريق الشك والتفكير والتجربة. أوه، نعم، لم يعد يتذكر أي شيء عن ماهية التجربة. عن مركزية التجربة. لقد اكتست الكلمة وجها تعريفيا أخر في ذهنه. لا، بل يشعر. يشعر كما لو أنه قد مرّ بالتجربة من قبل. إن الذاكرة الحقيقية لعقله لا تعدو خلف سنّ الثالثة، صورا مشوشة لقبعات عيد ميلاد: هذه أقدم ذكرى له. ولكنه يُحس أن له ذكريات من نوع ما. ليست ذكريات فعلية ذات صور وأرشيف مُتصل، وإنما الشعور الذي يرافقها. إنها بقايا لشيء سابق. لقدرات مٌطلقة سابقة.

ثمة مواقف يمرّ بها آدم باعثة عن شعور عميق، ومتأصل في وجوده الإنساني. يُحس آدم أن لها علاقة بما يسميها روحه. وفي خلال مسيرته الروتينية مع الكتب والمدارس علم أنها إنما، أقصد الروح، ربما ليست إلا تعبيرا عن نُقص فادح في العلاقة بين الوعي الداخلي والخاجي، بين الذات والعالم. تعليلا لمعادلة لم يُكملها التطور بعد. ولكن من يُفسر الشعور؟ نعم، بإمكاننا تفسير آلية الجوع، ولكن كيف يحق لنا أن نتهم الأخر أنه يشعر أو لا يشعر بالجوع. إنها حالة خاصة، وتعريفات شخصية. يحس آدم بمواقف وجودية كبرى مثلها، كما لو أنه يقف على حاشية هاوية عظيمة، طيلة الوقت. قلق، محتار، خائف وتائه.وفي الداخل يشعر دائما أنه ليس بالجديد على هذا الموقف على الإطلاق.

لقد سبق له وعاش التجربة. الشعور. القفزة.

في كل المرات السابقة، والآتية التي زار فيها آدم معالجينه النفسيين، وكهان معبده، والفلاسفة الذين يحب عاد دون جدوى لمسألته الخاصة. عاد دون أن يقول له أحدهم أنه ليس يهم إن كان قد قفز من قبل أم لم يقفز. لم يقل له أحدهم أنه عليه أن يقفز مجددا، ويظل يقفز لمرة أخرى وأخرى. وهذا كل ما في الأمر.

……

 

 

أية أبوعقرب

15-11-2017

*إهداءا لروح أحمد بهجت عليه رحمات الله

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s