حُمى الإحساس (الكتابة عن الكتابة 3)

 

أكملت للتو مذكرة أخرى.
مذكراتي، بالنسبة لي، نافذة. قناع الأكسجين الذي ينزل من السقف كالرحمة لرواد الطائرة المضطربة. لست أدرى كيف يمكنني أن أعيش بدونها، بل بالأحرى، كيف يمكنني رؤية العالم دونها. كنظّاراتي تماما، عليّ ارتدائها بشكل متكرر لأرى الأشياء نقية دون تشويشها المعتاد.
بالنسبة لإنطوائية، يبدو العالم مرعبا جدا من الخارج، ومن الداخل على حد سواء. كفتنة حرجة، لذيذة لغايتها ولكنها ألذ دوما من بعيد. وبفتنته هذه، يصعب عليّ أحيانا أن أراه بوضوح.يتغشاه غثامة الغموض، كطرحة عروس. وبمذكراتي، أشعر أني، إن لم أرفع هذه الطرحة لأرى حقيقة الوجه الذي يقبع خلفها، قد ذهبت إلى حد بعيد في تخيل ملامح هذا الوجه. نعم، قد لا تهديني مذكراتي حقيقة هذا العالم، ولكنها تعطيني الحقيقة التي تشبهني،

ذلك أني أنا التي أبنيها داخل مخيلتي، مستخدمة ما لدى من أدوات بناء. بضع حروف، وكلمات، وكثير من الإستعارات. كثير من الإستعارات التي تتدفق مني كنزف ينبض. كما لو كنت في مجملي جُرح ضخم يتسع للعالم. وهكذا خُيل إليّ أني أصنع حقيقتي.
في يوميات كافكا التي حررها من بعده مُخلصه ماكس برود يقول: “كل الأشياء تقاوم عملية كتابتها.” من هنا ينشأ الفعل العرضيّ للكتابة، ذلك أن كل شيء مُعد للموت، أو هكذا سمعت مرّة. كل شيء معد للموت لأن كل شيء في مسير عظيم يأخده لنهايته، وهذا ما تتعارض فيه الكتابة مع الموت، إنها تسرق منه انطباعه الفاني. يجزعني ويأخد بلبّي هذا الشرح البسيط، والوفير للوجود. ولكن قبل أن أن يمرّ على مسمعي هذا القول، شرعت أعمل على مفهومه منذ كنت بالثالثة عشرة، كان ذلك عندما بدأت أكتب مذكراتي. أو هي كانت أقرب للشذرات منها للذكريات.
منذها وأنا أكدس دفاتر يتيمة. أكتب فيها عن كل شيء تقريبا، المشاعر، الذكريات، اليوميات، الأفكار، الأسرار، وبعض الأشعار والقصص القصيرة الوامضة. كأني أدركت وقتها، رغم ريع عمري اليافع، أني لن أعيش للأبد، وأني كبقية الأشياء مُعدة للموت. وأني إن كنت أريد ترك بصمة عن حياتي بعد أن أحمل حقائبي وأستقل القطار المواجه للحياة، هو أن أترك حياتي ذاتها. ترقد كصوت مفقود في الأبدية، حتى تُعيد قراته يوما ما أذن سَموع. وهكذا خّيل إليّ أني سأعيش للأبد.
ولكن ما هي قيمة المذكّرات؟ يقول بيسوا من جهة أخرى في لاطمأنينته الخالدة: “في هذه الخواطر المفتقرة إلى الترابط وإلى الرغبة في أي ترابط، أسرد بلا اكتراث سيرتي الخالية من الأفعال، تاريخي الذي بلا حياة، إنها اعترافاتي الخاصة. وإذا لم أقل فيها شيئا ذا قيمة فلأنه ليس لديّ ما أقوله. ما قيمة اعترافاتنا وما جدواها؟ ما حدث لنا، وما يحدث للجميع أو لنا وحدنا فحسب هو مجرد حدث عرضيّ، وليس بشيء جديد، كما أنه ليس مما يقبل الفهم. إن كنت أكتب ما أحس فلأنني بفعل هذه الكتابة أخفض من حمى الإحساس. ما أحكيه لا يكتسي أي أهمية. إذ ما من أهمية لشيء. إزاء ما أحسه أخلق مشاهد عديدة، أجعل من الأحاسيس احتفالات خاصّة.”
إنها محاكاة يائسة من قبل الأشخاص الذين يفتقدون لحميمية الإنسانية، مثلي. إنه لا يكفيني، كما أني غير قادرة عليه بشكل طبيعي، أن أتحدث عنّي لشخص أخر. كما نشاهده يحدث في سينما حالمة تعرض طاولة محصورة في زاوية مقهى بائس، تُجالس صاحبين يتحادثان فوق شؤونهما. إنه نقصٌ فادح، أعترف، وشكل مرضي من أشكال التواصل العقيم. ولكني ببساطة لا أستطيع. إنه مأزق نفسيّ، واكتشفت منذ صِرت أكتب مُذكراتي أنه مأزق مؤقت، ما دمت قادرة على التحايل عليه بالتحدث للأوراق. هذه المخلوقات اللطيفة التي لا تعي، وربما لهذا بالذات يُفضلها المُسوخ من أمثالي.
ولكن، بالتعود يتحول ما يُفترض أنه علاج إلى نوع ما من أنواع الإدمان. يُصبح من غير المجدي اللجوء إلى غيرها؛ أعني الأوراق. وتتفاقم الحالة الأصلية، فيصير الإعتماد عليها أكبر وأكبر كُل مرة. إنها كما نسميها في الفسيولوجيا تغذية رجعية موجبة، دائرة ذاتية مُتفاقمة. ويكون الحل عندئد، لتسكين عوارض الإدمان، اللجوء إلى المادة المدمنة نفسها: الكتابة.
إن الرضا الذي توفره الكتابة اليوماتية/المذكراتية نوع من المخدر المؤقت، نسخة حداثية من فعل إنساني تراثيّ. لأن القلق، أو ما يسميه بيسوا حُمى الإحساس، الذي يُنتجه الحرمان من هذا الإدمان مزعج، يدفع الكاتب دون شعوره لملأه، أو تسكينه. وكما يقول كافكا: “لم أكتب شيئا منذ مدة طويلة، سأبدأ غدا، وإلا فإنني سأدخل ثانية في حالة من القلق الممتد غير القابلة للتوقف.” هناك يبزق الكاتب كل أماله الفاشلة، وذكرياته التي لم يشاركها مع أحد كصورة لخلفية فارغة على أوراق بريئة. كل حواراته الداخلية مع مجاهيل ليسوا أحد غيره، وكل هواجسه وذنوبه واعترافاته العميقة. الأمر يُشبه التحدث لكاهن خلف ستارة؛ تقول كل ما عندك لأيقونة ثم تحصل على صِك غُفران، مِمن؟ هذا لا يهم. المهم أنك قلت كل ما يجب أن يُقال. وعندئد تحصل النشوة.
يصف أوستر هذه الحالة الإجبارية، والباعثة للخلاص للكتابة في سيرة بيوغرافية هي اختراع العزلة، فيقول: “أمضى الجزء الأكبر من حياته منحنيا على قطعة خشب مستطيلة، محدقا في مستطيل أصغر منها من الورق الأبيض. أمضى الجزء الأكبر من شبابه يقف على الطاولة ويجلس إليها، ويوازن بين جلسته إلى الأمام وإلى الخلف. هذه حدود العالم المعلوم بالنسبة له.”
أتذكر أنني أمضيت صيفا بطوله، هو صيف 2012 برفقة مذكرة. أتذكر أني قد أخدتها معي إلى كل مكان، حتى أني قد وجدت بُقع حساء تُلطخها في كل صفحة. وإذ أشاهدها الآن أشفق عليها، تبدو رثّة ومهترئة كعجوز. ولكني كلما ألمسها تنبعث في جلدي إحساس من صافح صديق أثير للتو. لقد قلت أشياءا لتلك المذكرة لا أحلم أن أقوله لشيطاني نفسه. ومن ناحية ما، بدا كما لو أني قد دفنت فيها جزءا منيّ، هكذا أفهم الفِعل التخليدي للكتابة بشكل أكبر: التحايل على الموت باستعارة عمله هو نفسه لقتل جزء منك ودفنه في ورقة على شروطك الخاصة قبل أن يأخده الموت للتراب، وإلى الأبد.
ورغم أني أشتاق إلى الفعل الإنساني الأول في التواصل مع بشريّ، وإنفاق سرّ أو فكرة معه بشكل اعتيادي، وسليم، غير أني ممتنة للكتابة اليوماتية أيضا. ما كنت لأكون أقلّ عُقد -بقليل، ربما- لولا أنها رافقتني في كل المحطات الكبيرة، والصغيرة جميعها. لقد أشبعت الشعور المفرط لخلجاتي المُقلقة أن تتلاشى، وهدهدتني كرضيع كلما ضاع الصحب من حولي. لقد ضمتني كضائع، وألهمت ذائقتي كشُعلة. أعلم أنها، على الأغلب، فكرة متهورة وخطيرة أن يحمل المرء جزءا من نفسه، من ذاكرته وأسراره فوق ورقة قابلة للمكاشفة أو المضايعة. ولكنها تظلّ وسيلة مُمكنة، وفعّالة للغاية في الوقت الراهن، وربما في كل الأوقات التي ستأتي. لعلها لا تصلح للجميع، نعم، ولكن بالنسبة لأولئك أشباه كافكا، فإن للكتابة من هذا النوع خلاصُها الخاص.
وها أنذا أسمع كلام له بإنصات متأمل: “اجعل اليوميات أكثر إحكاما منذ اليوم! اكتب بانتظام! لا تستسلم! حتى لو أتى الخلاص الذي أرغب أن أكون جديرا به في كل لحظة.”

Advertisements

2 thoughts on “حُمى الإحساس (الكتابة عن الكتابة 3)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s