محاولات فاشِلة

تُصبح المقبرة محفلا مهيبا عندما يُزف لها قاطن جديد، فتمتلأ بالناس والصراخ وطقطقات الأحذية المستعجلة فوق قبورها المتهالكة. وهذه المرة كان أبي.

في العادة، وهو ما أخفيه -وأفشل- عن أمي دائما، في العادة أشعر بإنجذاب لذيذ نحو المقابر، الواسعة منها تحديدا، وذلك في الأيام، أو الأوقات بالأحرى، التي تُترك فيها خالية من الزوار. وكثيرة هي تلك الأوقات.
أتِي في معظم تلك الأوقات إلى هنا، إلى هذه المقبرة بالذات، ربما لأن أسلاف العائلة وأبنائها كلهم من توفاهم الله يرقدون فيها، أو ربما ببساطة لأني أحب ذلك. غير أن قبر جدي -الراقد هنا منذ أربعة سنين- أعطاني الفرصة حتى لا أتحجج بذلك أبدا، أقول لأمي أني أحتاج أن أذهب لأنثر الأرز والماء البارد علي قبر جدي، فتتركني لحالي دون الحاجة لخوض محاورات أفلاطون التي نخوضها عادة حول مراهقتي النابتة بالمعكوس، كما تحب أن تسميها.

كنت أتطلع لقبر جدي من فوق أكتاف المحيطين بي ظهرية اليوم دون أن ألاحظ أن تابوتا خشبيا ممددا أمامي في صمت وهيبة، خشبه غير معالج، وقديم، وتفوح منه رائحة غريبة. ينزوي عنه الجميع هناك نحو الحفرة التي يغوص فيها أخي حتى جدعه، ومعه عمي الأصغر، وكأن الذي هو هنا في الصندوق ليس هو ذاته الذي سندفنه هناك اليوم أو هو نفسه الذي عرفناه بالأمس. تطلعت مجددا نحو التابوت الذي بجانبي وشعرت بسعادة داخلية، قلتُ؛ ساعة أخرى، أو هي فرصة أخرى أتحجج بها لوالدتي حتى أزور المقبرة. 

تعتقد أمي أن حب فتى في الخامسة عشر لمكان مظلم كالمقابر هو حب خارق، وغير طبيعي على الإطلاق. يوافقها في ذلك أخي البكر، لطالما وافق أمي لا سيما في تلك الأشياء التي تخصني، فيعنفني بزاياراتي المتكررة للمقبرة، ولا مبالاتي بظروفي الدراسية، وتكاسلي عن العمل في محل العائلة في الصيف. يرى أخي دائما أن المراهقين عبأ علي كتفي العالم. وأتساءل أنا بدوري ألم يكن أخي في يوم من الأيام مراهقا هو الأخر؟

ترتفع زوبعة غبار فوق رؤوس أخي، وأعمامي. أقف أنا في جانب أبي كأنه لا يزال حيا. وتروح ذاكرتني تترنح لما كان أبي يرافقني لزيارة قبر جدي، كنا نجلس لساعتين أو لثلاث نلوك الصمت. ولم أره يبكي يوما، لم أره يوما يمسّح علي قبر جدي، أو يقترب منه حتى. وليس هو الرجل العرنين الأحرش، لا، ليست صورة الرجل الفظ الغليظ هي ما أحتفظ بها عن أبي، بل إذا فكرت في الأمر فوجه لا مبالي بهذه الحياة هو جلّ ما أستطيع استذكاره عندما أغمض عيناي. تعنفه أمي دوما علي زرع العادة السيئة هذه فيني، فيبتسم. تقول أمي أنه يسايرني فوق اللزوم، فيبتسم مجددا، وتحتنق، وتسب يوم زواجهما، فتنسي الموضوع الأصلي. وهكذا يربح أبي.

واكتمل الحفر.
بدأت دفقات من الأكتاف تدفعني للوراء، ورجال لم أميز غالبيتهم يندفعون نحو الحفرة، يتبعون أولئك المقربون الذين خطفوا أبي علي أكتافهم ومضوا به نحو ملاذه. تبعتهم حتى تراءى لي الجسد الملفوف بالأبيض كأي ميت أخر متموضع بجانب شفة القبر القريبة مني، تسمرت في مكاني لثانية، ثم حاولت التقدم نحو من كان لوقت أبدي أبي، ولم يعد، لكن رجالات كبار بجرودهم الثقيلة الصوفية دفعوني مجددا للوراء، فاختفى أبي ورائهم. أحدهم رمقني بنظرة ازدراء، أعرف ما يفكرون به، ربما قالوا أن الفتى صغير وليس له مكانة في وضع جديّ ومحموم كهذا. فلنترك الرجال الكبار يهتمون بأمور الرجال الكبار. ولو كانت بعض هذه الأمور لا تعنيهمم أساسا.
بقيت في الخلفية أصغي لموسيقى المجموع، نواح أخي، وعمي. ابتهالات الشيخ وحاشيته التقية. كلمة الله أكبر التي تصعد من الجميع، دون أن يقولها أحد حقا. بقيت أصغي وأنا أعطي بظهري للمظاهر التي هي ليست بأكثر من قشرة.

وبدا أن المقبرة تختلي بذاتها مجددا مع حركة الغفير الذي أدى واجبه، وخرج. إذا فقد وضعوا أمانتهم تحت التراب ومضوا. ولكن ما الذي وضعوه هناك؟ ألجسد الذي كان هامدا طيلة هذا اليوم؟ أم حفنة الذكريات التي ندين بها لهذا الجسد/الرجل الذي كان أبونا؟ وإذا كانوا قد وضعوه هناك إلى الأبد فأي يد حانية هي هذه التي تحتضنني الآن وأشعر بحرارة أبوتها تلفع ظهري البارد؟ 
وعندما التفتت قليلا بما تسمح القبضة المتشبثة بي وجدته أخي، وعلي صفيحة كتفاي تساقطت دموعه كنهر.

لكنني لم أبكِ. 

تقول أمي هامسة لأخي أحيانا وهي تعدّ وجبة عشاء أو غذاء في المطبخ أنها قلقة عليّ، شيء غير طبيعي يسير في مخ ذلك الفتى -الذي هو أنا- وأخاف أن يصل به الأمر للأطباء النفسيين حتى يقف. فأسمع أخي يضحك، أو يقهقه، أو يتأفأف حسب مزاجه ليطمئنها أنها هذه هي حال كل المراهقين في هذا الزمان. وفي عينيه نظرة أراها من المكان الذي أتجسس فيه عليهما، نظرة تقول كثير من الأشياء التي لا تقال. لا تقال للأمهات على كل حال. وأتخيله يقولها بعدما يفيض الأمر بأمي فيحتضنها ويؤكد لها أن ابنها البار، الراشد، البِكر لا يزال لديها، ولا شيء أخر يهم. أخي مهدّ له العشرين للتو طريقه، لكنه دائما في ذاكرتي ينتصب كرجل، حتى في تلك الأزمان لما كنا نخوض ونلعب.

وشعرت بأن كتفاي وظهري غارقين في البلل اللزج، ولم أكن أفهم حاجة أخي للتواصل الروحي الجاف رغم ميوعته، لقد كنا دائما مختلفين وشاذين عن بعضنا، والحقيقة التي تقول أن أمي لم تنجب غيرنا لم تلطف من الأمر يوما. ولطالما تفهمت المعضلة منذ صغري، وأظنه تعوّد أيضا. فلا يوجد الكثير حقا لنلتقي فيه، هذا إذا استثنينا تدخلاته المتواصلة والمحبطة لمشاريعي وهواياتي. 

ثم ذهب الجميع، وخلا حقا المكان.
كان الأمر أشبه بإخلاء مسرحية عظيمة، بعد أن لعب الجميع الدور الذي كان من اللازم أن يلعبه، انسحبوا تاركين الواقع أكثر تجردا وواقعية. 
وعلي مدى البصر قامت رؤوس الأشهاد تعلن وجود ساكنيها تحتها، ومع الحركة الإنسحابية للأقرباء والأصدقاء والمعارف والجيران ونعل أخي أخر ما دبّ للخارج، بمشية هي أقرب لمشية المراهقين اللامبالية! ودون حتى أن يزجرني كالعادة، رجعت للمقبرة روحها المعهودة، روح بألف روح. 

ولم يبقى هناك أحد غيري، مجازا طبعا وليس حقيقة، فبجانبي ها هنا أبي، وبجانبه جدي، وهناك وفي كل مكان أرسي فيه نظري رجال، ونساء، وأطفال صغار يرقدون، وإنما في صمت. وجلست أجانب قبر أبي الطازج الذي تفوح منه رائحة التربة المبللة، والجير الجصي النيء. قرأت ما كُتب علي الشاهد قرب رأسه، المرحوم الفلاني، لمَ يسمون الميت بالمرحوم فور موته؟ أليس الأحياء أيضا مشتاقون للرحمة! وعندما تذكرت حالي فيما إذا مت وصرت مرحوما فهل سيبكي أخي كما فعل اليوم، وهل سيبلل كتف أحد المقربين كما فعل معي؟ وانتابني شعور غريب لم يعهدني يوما وأنا أجلس بجانب القبور، هو شعور أقرب للعجز منه للحزن. وأردت أن أبكي، لكني لم أبكِ.

حدقت في المستطيل الذي أمامي والذي يسمونه قبرا وما هو إلا طبقة من طبقات الإسمنت اللاتي تغطين القبر الحقيقي بالأسفل. ارتابتني حاجة شديدة لنبش ذلك الأسمنت، والنفاذ لهناك. أردت أن أتأكد أن الأموات أيضا لا يبكون لمغادرتنا، فاطمئن لعجزي. لكن الصوت القادم من بعيد، من مكان ما عميق كان أشبه بالنواح.
وتخيلت وجه أبي بليد المشاعر وهو يبكي بحرقة، لكني لم أستطع. وحاولت أن أسايره أنا الأخر، فلربما أفهم بالتجربة وبالإيقاع، لكني لم أستطع. وازداد النواح من كل قبر بعد أن كان يخرج من قبر أبي فقط، ثم صار النواح يخرج من داخلي أيضا. وتساقطت علي الجص الأبيض الطازج تحتي قطرات مياه مالحة من وجهي، وسمعت نفسي أشارك في السيمفونية الوجودية مع الجميع، لكني لم أبكِ.

حاولت حقا أن أكون مثل أخي، لكني لم أبكِ.

-النهاية- 
.
.
أية ش. أبوعقرب
2/11/2016

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s