مُرادفات الوجود

من الجيد دائما الإستماع لأراء الأخرين. فالكون معادلة متعددة الأبعاد لا يمكن فهمها بالوقوف عند وجهة نظر واحدة، خصوصا إذا كان الطرف صاحب هذه الوجهة مشوش مما يفقده حياديته. هكذا راحت نعيمة تفكر وهي جالسة علي الكرسي الخشبي عند البوابة الجانبية لمركز طرابلس الطبي بالمشكلات الفلسفية للكون المتصف بالعبثية، دون أن يذمر روقان تدفق أفكارها صوت سيارات الإسعاف التي تدخل مُسرعة بين الحين والأخر. وعلي ذكر الإستعانة بالأخرين مدت يدها غائبة الوعي لحقيبتها السوداء الصغيرة الجالسة جانبها علي الكرسي وأخرجت هاتفها الجوال طالبة رقم صديقة العمر: وردة. 
وردة مدام وأم لثلاثة أطفال، بِنت صغيرة وتوأمان صبيان يصلحان للعمل في الجحيم لتعذيب أولئك الذين اقترفوا أثاما كبيرة في حياتهم.بعد رنات كثيرة ردت وردة أخيرا بشتيمة كانت في القصد مرسلة لأحد التوأم ولكنها شقت كيلومترات عديدة لتستقر في أذن نعيمة عند الطرق الأخر من الإتصال. وبعد سلام ودود وأسئلة عن الأحوال دخلت نعيمة كعادتها في صلب موضوعها التي لم تعرف بعد أتصنفه تحت خانة المثالية الأفلاطونية أم الرومانسية الحديثة، فقالت شاعرة ببعض الإحراج كأنها تقترف ذنبا وتعترف لكاهن:
– وردة! تعرفي كوثر زميلتنا في المعمل؟ هذي اللي سافرت لتركيا الشهر الفائت؟
سمعت نعيمة كربجة علي طول الخط وصوت يد تستقر علي قفا أحدهم في شكل صفعة قبل أن تجيب صديقتها بقليل تردد:
– اه نعم! القصيرة .. نعم عرفتها!
سكتت نعيمة لفترة كأن الكلمات التي علي وشك أن تقولها تسبب ألما حادا للأسنان، ثم تجشعت وأمضت سريعا:
– قالت إنها حابة تعرفني بشخص!
– حقا! من هذا الشخص؟
– مش مهم! وردة! ركزي معاي .. كوثر أكيد قصدها تعطي صورتي أو رقمي ليه! أنتِ تعرفي كويّس طرقها في التعارف!
لكن وردة لم تعلق. بدا وكأن الجهاز سقط علي الأرض، فانتظرت نعيمة قليلا حتي عاد صوت وردة مجددا علي الخط. اعتذرت كما تفعل دائما عن قلة أدب أطفالها فأكملت نعيمة كأن شيئا لم يحدث قائلة:
– إي .. المهم، كيف الحل برأيك؟ نوافق أم لا؟
ثم انقطع الخط. وهمست نعيمة لنفسها لابد من أنه تامر هذه المرة من قذف الجهاز علي الحائط إذ أن ياسر هو من فعلها المرة السابقة. وحاولت إحصاء أجهزة صديقتها التي راحت ضحية نزوات هاذين المخلوقين الصغيرين الأتيين من الجحيملكنها أخطأت العد، فتوقفت.
ولأن الخط بقى مقفلا خلال العشر دقائق القادمة تخلت نعيمة عن المحاولة واستسلمت لعذابات نفسها التي لا تنفك تطيب وتتقيح مجددا ثم تطيب في متوالية تصيبها دائما بالغثيان.
نظرت في ساعتها فكان العقربان متعانقان عند الواحدة. ولا يزال عليها أن تنتظر ساعة، أو ساعة ونصف أخرى قبل مجيء والدها حتي تعود. فمكان سكنها في الضاحية، والمواصلات من هناك لهنا ومن هنا لهناك مفردة ترادف عمل حاجب الحجاج الثقفي بالنسبة إليها. إلا أن سيارات الأسعاف استمرت في الولوج والمغادرة كل حين وأخر باعثة في أنفها الحسّاس اشمئزازا من رائحة محترقات الوقود القوية. تجرجر علي متنها أجسادا إما ميتة أو أنها علي وشك أن تكون كذلك، وراحت تقاوم مع رائحة البنزين المحترق النابتة في أنفها أبدا هذه الرغبة الملحة في مقارنة الحياة بالموت: فها هي سيارة جنائز تغادر البوابة وفي صندوقها حتما رجل بلا روح، فصوت الثابوت الخشبي وهو يقرقع علي الأرضية المعدنية للسيارة واضح جدا مع قفزها فوق المطبّ، قبل أن تتوقف فجأة أمام امرأة بطنها منفوخ بروح طازجة يسندها زوج متوتر الأعصاب، فيمران ببطء نحو عيادة النساء في الجهة المقابلة من الرصيف. تاركان السيارة المستطيلة تسير في طريقها نحو خيمة عزاء في مكان ما تجلس في وسطها مكلومات يكاد يغشينهن الموت موتا.
وهي ترقب سرعة السيارة الطائشة، والتردد البطيء لصوت حذاء المرأة الحامل علي الطريق كأنه يأتي من الناحية الأخر من العالم استنتجت نعيمة شيئا في رأسها المضطرب: تأتي الحياة علي استحياء دائما، ولكنها دائما تغادر بجرأة المفاجأت.
وخطر علي بالها مجددا موضوع كوثر، فبعد أن تركتها هذا الصباح في المعمل قبل انتهاء نوبتهما فاتحتها كوثر وللمرة الثانية بعد المائة بموضوع تعارف أخر. وتذكرت نعيمة أنها كانت تتخيل كلمات كوثر وهي تخرج من فمها المسوّك العطر، وتستقر في الصفر الذي يجلس بجانب الثلاثة من عمرها فتوسع تلك الصفر، وتتسع حتي تصير دائرة كبيرة يمكن حتي للوحوش الضارية أن تسكن فيها. ولهذا قررت أن تولي الموضوع ولو لمرة واحدة أهمية. فرصة. وجبة تفكير متزنة.
ليس تقدم العمر ما يرعبها تحديدا، لا، قالت لنفسها، لكنه الروتين ربما. الإستيقاظ في الثامنة، الغثيان الناتج من ركوب السيارة مطولا، الطريق الريفي الصامت كقلبها، وجوه الزملاء الملولة، أجهزة التحاليل البالية، والعابقة بأشباح البول والدم والنتانة، رائحة الديتول، الجلوس علي هذا الكرسي كل ظهر لإنتظار الفرج الذي لا يأتي، العشيات الممزوجة بزيارات الأقارب وما تحمله تلك الكلمة من أنواع نادرة من السموم النسائية وظيفتها المفاخرة والمعازرة، ليل يمضي دائما فوق دفتي كتاب خيالي، وينتهي أبدا في شكل ظلام لا نهائي يبتلع كل شيء. كل شيء عدا الأحلام.
إذا حقا ربما هو الروتين. لكنها لا تريد أن تقتنع أنها ستدخل في علاقة هاتفية مجهولة، ومخاطرة بالعديد من مبادئها من أجل هدم روتين أحمق.وفكرت في أن الحياة روتين أحمق كريه مهما كانت، بالرجال أم من دونهم.
ولاحظت نعيمة أن المرأة الحامل وصلت للطريق المؤدي للعيادة، لكنها سقطت في المدخل مرسلة صرخة عالية أيقظت رأيا أخرا في رأسها حول مسألة الوجود هذه، وأعارت تفكيرها مجددا لموضوع كوثر، وقالت ربما هو الإنجاب!
نعم، ربما هذا التغيّر المفاجئ لرغبتها في قبول هذا العرض هو أن تصير أُما، كوردة مثلا، ربما هي تلك الهرمونات اللعينة التي تجعل النساء ينتشين فرحا ببكاء الكائنات المسحوقة، المسكينة. ربما هو إنجاب أطفال لهذا العالم! وكان للعبارة الأخيرة وقع ساخر في نفس نعيمة، فصارت تردد العبارة كاتمة بيدها وجهها الذي صار كله ابتسامة عريضة تصل للأذنين. إنجاب أطفال لهذا العالم. شيء مضحك حقا، إنجاب أطفال لهذا العالم، فكرت بعد أن توقفت هستيريا اللحظة الميتافيزيقية. يا له من شيء مثير للشفقة والسخرية في آن. إن كان هدفي توليد مخلوقات لن تعيش بأنعم مما عاشه سيزيف في جبل الأولمب فسيكون الرفض هو ما أقابل به كوثر غدا صباحا.
ورجعت تراقب حركة السير والناس علي طول الممر المؤدي يمينه لعيادة النساء والتوليد، وعلي طوله لقسم الإسعاف العام. وكلما تذكرت رائحة ذاك المكان طلت علي عينيها لا مبالاة عميقة بكل شيء.
حسنا، ربما هو ألم الوحدة، أن تشعر بأنك نصف. بأن جزءا أخرا في العالم البعيد الواسع ينتمي إليك بشكل ما، وتنتمي أنت إليه بطريقة أو بأخرى. الوحدة بحر هيولي شاسع لا أراضين فيه، ماذا ينفع المرء وجود قارب صغير مَهين هناك؟ إن كانت اللاوجهة حتمية ما من حتميات القوانين الفيزيائية التي تحكم العالم دون انقطاع، كجندي اسبرطي مخلص. وتخيلت نعيمة نفسها تغرق في ذاك البحر الشاسع بلا حدود وحيدة، دون قارب صغير أو صديق، وأجفلها أن تشعر بالإنتماء! بالإنتماء للبحر بدل القارب!
نظرت في ساعتها، الوقت لا يمر كما يجب. هل يعاقبها الزمن بالقلق والتردد والحيرة لأنها منذ وقت طويل قررت أن تقدسه لهذا الحد؟ كم تتمنى لو أن العمر لم يرتبط في حياته بنسب عقيمة، كالسن المناسب للزواج، والسن المناسب للسفر، والسن المناسب لترك كل شيء، والمُضيّ. دون ألم الندم، دون ألم الذاكرة، دون ألم المفاصل والرئة والظهر التي تجبرك جميعها علي ألا “تكون” من غير الأخرين.
وبعد سيارة اسعاف أخرى مرت كما تمرّ السهام في بطون الأعداء؛ بشغف وعشق لا مشروط للموت، رُكنت سيارة فياط قديمة أمام نعيمة مباشرة فنهضت… وصل والدها.
ولم تفهم نعيمة شيئا مما حدث بعد ذلك، كأنها نست دماغها فوق الكرسي الخشبي ذاك. لِما وصل والدها مبكرا علي غير عادته الدقيقة جدا؟ لِما قال لها أن والدتها تنتظر في البيت؟ لما يحدثها عن جارتهم خيّرية، أليست هي تلك العجوز المتهالكة التي لا تنفك تجمع رؤوس الحلال معا كرابط براغي نشيط رغم صدأه! وقد مضي زمن طويل لأخر محاولة منها لترويض نعيمة. يقول والدها أنها أرسلت أُناس لرؤيتها هذه العشية، وأضاف مُلّمحا لأشياء كثيرة تبدو أنها لا تقال إلا بالمجاز عن أن البنات أثقال كواهلٍ لا تُقطع إلا بالرّهن، كألعاب القمار اللعينة. عن أن الرفض والموافقة هذه المرة سيجلسان في الغرفة ذاتها، ويقدحان فنجان القهوة ذاته. وعن أن العروض لا تحتمل التأجيل بعد الآن.
وسرح بال نعيمة في عرض كوثر للمرة الأخيرة، ما اسمه؟ ما لون عينيه يا ربيّ؟ هل يحب أن يقرأ مثلي في أدب السجون، أم لا؟ وجلست مستقيمة في مقعدها فجأة، وأدارت النافدة بكل مزاجية وحماس. تدفق الهواء للداخل بخجل. وراحت تفكر في ابن جلون ومنيف والكنفاني، ونطت في ذاكرتها مقاطع من شرق المتوسط، وطلّ علي خيالها رجب أسماعيل* بطوله المعقوف، وقلبه الحزين، وأحسّت بضيق الوجود … لقد أعطتها أجواء السيارة الضيقة، وشمس أيلول الكئيبة شعور السجين، وكرجب أسماعيل قررت أن تكتب رواية لكي تتنفس. ودون مقدمات تلفتت لوالدها وقالت بنبرة لاهثة لم تقصدها أن : بعض العروض بالفعل لا تُردّ.
.
.
.
-النهاية-


أية ش. أبوعقرب
30-10-2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s