في زاويةْ

اسمي عبد ، عمري لم يعد مهم ، أعيش علي ناصية طريق ، أتي كل يوم إلي هنا ، أجلس علي هذا السور ، أصادق هذه الزاوية ، أترك قدماي لتتدلي إلي أسفل ، يلاعبهما الهواء غير مكترث بوجودهما ، كما لا يكترث أي أحد أخر بي !
يرسلني الفجر حرا ، فأنطلق إلي هذا السور المصفر ، حيث كثير من الأشياء تمر بالطريق ، ولا أخفيكم أن هذا هو شغلي الشاغل ، مراقبتهم ، التعجب منهم ، ومن ثم العودة في الغد لمراقبتهم من جديد …
في هذا اليوم مثلا مرت السيدة طويلة ، هكذا أسميها ، إمرأة غضروفية الهيئة ، يكاد جسدها المتمايل يخلو من أي عظم ، تمشي علي كعب يزيدها طولا وخيبة! مرت متحاشية فكرة وجودي في هذه الزاوية ، تحمل كيسا بلاستيكيا ككل مرة ، قادمة من البقالة ، إن الأكل كما يبدو يعطي معني لحياتها الوحيدة والعقيمة ، ولذا هي تعطيه كل وقتها ! مسكينة هي ، ستدرك ولو كان الوقت متأخرا أن لا الأكل ولا الحب ولا ما إفتقدته مجتمعا كان سيرثي وقتها الضائع ، هذا ولن يعوضه !
اليوم ومن هنا أيضا مر صاحب القبعة الخشنة ، العجوز الصدئ ، في الحقيقة أنا لا أراه كثيرا ، فهو يزور منطقتي هذه في نهاية كل شهر ، ذاهبا إلي المصرف الذي يقبع في ناصية الطريق هناك ، بعينين متورطتين في مقصده ، هو الأخر يمر دون أن يرمي علي بعض السلام !
ربما ظن العجوز بأن المال هو أخر صديق وفي له ، ولكن المال لن يكون صديقا وفيا يوما لرجل سيترك الحياة خلال زمن تاركا إياه لغيره ، من يكون وفيا لغير باق ؟ في النهاية سيقتسم الورثة ماله ، وسيقتسم الدود رفاته! ولو أدرك العجوز لذة أن تلوح بقدميك هكذا في الهواء مبعثرا إياهم لأعطي ماله لهم قبل أن يرثوه ! قبل أن يضطر إلي تلويحهما جزافا !
أنظروا ، لدي مار أخر لأحدثكم عنه ، هذه الأخري التي تقف بالزاوية ، الضعيفة ، المتألمة ، الغير ملحوظة مثلي تماما ، ولربما لهذا أميل لها أكثر ، أدعوها فاطمة ، لا أدري إسمها الحقيقي ، لكن طهر الأسم الذي أطلقته عليها يليق بها !
تقف فاطمة هنا كل أسبوع ، تنتظر الحافلة الشهباء ذات العجلات الركيكة ، تركبها متجهة إلي مكان لا أدري ما هو ، لكن تقاسيم وجهها الكادح لا يترك خيارات عديدة ! تأتي وتذهب ولا أحد يوما رفع عينه ليلاحظها ، أو حاجبه ليستغرب مآلها ، أو صوته ليردها عما تفعله !
تروح فاطمة كل مرة وتجيء خاسرة جزءا أخرا منها ، باعثة في فيها كما أخرا من الإنحناء ، وفي عينيها ضعفا مضاعفا من العناء ، هي الوحيدة من بين كل المارة التي أتمني أن تأتي هنا قريبا وتجلس بجانبي ، لتصبح هي كما هي كما أني صرت أنا كما أنا !
أمط قدماي وأتلاعب بهما ، وأضع يدي في مجابهة الشمس الغازية ، هي الأخري تمر خلالي حيث لا يهمها أمري …!
يهدأ الشارع من المارة بعد إنتصاب الشمس عموديا عليه ، ومن النوافذ التي تطل علي زاويتي هذه أطالع عادة هؤولاء الذين يجلسون خلفها ، ببطونهم الممتلئة ، وأعينهم النعسة ، وجباههم التي تخشي أن تلتقي بشمس الظهيرة ،في الجهة المقابلة تحت اللافتة الزرقاء يرقد العم سعيد ، وبينما إسمه لا يتماشي مع ظرف حالته ، إلا أني أظنه سعيدا ، بل أسعد من هؤولاء الذين يرقدون في بيوتهم فوقه تاركين التخمة أن تفتك بهم ، رغم أن العم المشرد عن مؤواه محتاج لما كان فقدهم له سيوازن تخمتهم إلي صحة !
لكن العم سعيد يتغاضي عمدا أو ربما جنونا عن أفعالهم ، مقتنعا بأن كسرة الخبز التي تمن بها صاحبة الدكانة المجاورة عليه تغنيه ليبقي مشردا ولكن علي قيد الحياة وبعيدا عن هيئة البشر البغيضة !
ألم أقل لكم أنه سعيد حقا ..
يأتي المساء يوميا ببهجة يبعثرها في الحي وخصوصا في هذا الشارع ، فينبثق الأطفال من أعشاشهم كطيور سمح لها الربيع للتو بالغناء !
لدي متعة خاصة في مراقبة هذه الكائنات الصغيرة القزمة التي تحيلها برآءتها أن تعيش في عالم غير هذا المسود بهلاك مصائرنا ، ومغتم بضجيج ضمائرنا المعوجة ، هم وحدهم القادرون علي أن يتملصوا من كل هذا ، ليعيشوا في أزهار خيالاتهم !
لكني ومن زاويتي هذه فإني أري أكبر من ما تمثله أجسادهم الضئيلة ، إني أري خلالهم هذه الأرواح العملاقة التي تفر بهم عن القاع الزخم !!
ومع الفرحة المنتشرة في الأجواء أنهي يومي قبل المغيب ، أمط قدماي قدر إستطاعتي ، لا أضحك أبدا ، لا أبتسم أبدا ، لا أتكلم مع أحد ، ولا أغادر مكاني قط ، فقط أمط قدماي وألاعبهما ، مادام ذلك يبدو جائزا !
أما النمل الذي يعمل طيلة اليوم يعود لأحجاره ، تلك التي يتخطي ربع هذا السور مارا عليه ليصل إليها ، فاليوم تحديدا لديهم وجبتين من الداخل قد عملوا علي تآكلهما !
أنا ذاتي قد تآكلني النمل يوما …
تتنهد الشمس تعبا فيأتي المنادي لأعود لجحري أيضا ، أوصي وأنا في طريقي النمل أن ينبه صاحبينا الجديدين أن هذه الزاوية محجوزة مسبقا لأحدهم والتي سأعود لها مع فجر جديد ،،، فحتي الموتى لهم ملكيتهم !

.
.
-النهاية-

 

أية ش.أبوعقرب

16-12-2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s