عُقدة في نافذة

سحابات الصيف خادعة ، والضحكات المحشوة في وجوه الأطفال غير قابلة للتصديق ، والأزواج مصطلح عابر في سِير الحياة ، والمياه الجارية لا تكترث للمصطبة الصغيرة التي ترتفع قليلا عن عتبة الباب الخارجي ، فتندفع إلي الشارع جارفة معها أسرار صغيرة ككل مرة تُقام فيها حملة تنظيف للفسحة الأمامية من المنزل ، هكذا فكرت ، وراحت تتساءل بحيرة محدقة في المياه المنسابة من بين قدميها ، المُندلفة نحو الخارج : أه لو أنّي مياه تشطيف! 
حينما سألتها والدتها تلك العشية ؛ ما الذي ستفعلينه بالمقشة ودلو الماء اللذين في يديكِ؟ أجابت بأريحية رافعة لكتفيها : سأنظف لكم المنزل قبل أن أعود! وعندما شاركتها أختها الواجب المنزلي المقدس سألتها عن السبب وراء نشاطها المفاجئ ، فقالت : ومن يدري ما الذي يحدث في البيت من مناسبة؟ علينا تنظيف البيت بالكامل ، فالحياة يا أختي لا ترحم! ومفاجئاتها لا تُدرك فهي بطبيعة الحال مفاجئات!
راحت تشطف المياه دون وعي بمقشة سايرتها في كل أيامها السوداء ، ولكن ليس اليوم ؛ هذا اليوم يبدو أبيض أكثر من اللازم ، كيف لا والأمور قد استوضحت علي أتمّها.
كانت المياه تسري غير مكترثة بشيء ، إنها مياه ، ومن خصائص الماء أنه حرّ! وبين كل دلفة وشقيقتها تغمر الذكريات رأسها ، ورغم أنها تُحارب جاهدة علي إبقاء التوتر غائبا قدر إمكانها ؛ فاليوم مميز للغاية ، إلا أن دماغها الصغير متورط في عملية حياة ، والحياة توتر ، والحياة لا تعترف بالوقوف ، كما أن العقل لا يؤمن بالسكون ، فالسكون موت ، والموت ليس كمثل الحياة ، ومن يُجبر الفكر علي السكن ضمن الحدود يُعاتبه بالإنقلاب. ووراء كل إنقلاب مجزرة! لكن مشكلتها لم تكن مع العقل ، فذلك محكوم أمره ، أما القلب؟ فهي لا تملك من ذلك شيء!
القلب .. القلب كالمياه ، لا تقيّده العتبات ، ولا تحدّه الحواجز الواهية ، ولا تشكلّه الأواني المؤقتة. فسيظل دائما علي أصله ، وفي أصله مُشاغبة! وهي تعرف ذلك جيدا ، وتقدّره ، ولكن …. بعض ما في القلب لا يُطاق!
لكن في وقت ما من تلك العشية ، عندما جلست الشمس علي حافة السماء تربط زمام حذاءها لتغادر العمل ، وبينما يتسلل الماء العابث بين قدميها نحو مصبّه أتاها ذاك الشعور الغريب الذي أبرد علي قلبها حموّه ، وشفى روحها طمأنينة غريبة لها مذاق التسليم ، كان أباها حينها قد دخل من الباب الحديدي لتوه يحمل فيما يحمل بقالة في يد ونظرة لؤم ووعيد في عين ، رافعا ثوبه ماسكه خشية البلل ، يلفظ من بين شفتيه الكهلتين صوتا له معنى الإشمئزاز. ينظر لها كمن علي كتفه عنكبوت متطفلة! ثم ولج دار البيت ، بعد أن عكر صفو ما جاءها من راحة.
نعم ؛ هي تتذكر الآن ماذا قال لها صباح اليوم ، وصباح الأمس ، وصباح الذي قبلهما منذ أن وطئت البيت الأسبوع الماضي عندما هربت نافِذة بما تبقي لها من عقل لبيت أهلها ، لكنها تساءلت حاضرا ؛ وهل الأهل إلا فخ أخر؟ نعم ؛ تذكرت أنه رفض استقبالها في بيتها ، تذكرت أنها ترّجته جاثية ، إنها بنت عار لو رجعت من عند زوجها!! وأمام الناس!! عار إي والله! هذا ما مزال! مُطلقة!! نعم ؛ هذه كانت كلماته التي ربما سمعتها رفقة صوت يعلو ، ويد تمتد ، ووعيد لا يحتمل القبول أو الرفض ، فالوالد والدا ولو كان … حسنا ؛ جاهلا؟!
ونعم ؛ هي تتذكر وجه أمها البارد عن التفاعل ، أختها الضحية رقم اثنان قليلة الحيلة ، إخوانها أشبال أبيهم ، ليلة عرسها التي قامرت بها مَخيفة تمديد الخمس وثلاثين سنة ، الخمس وثلاثون سنة التي قضتها تتمنى ليلة عُرس وعريس وفستان أبيض وتذكرة إلي تركيا ، وزوجها سقيم الجسد والنفس صاحب الملف الذي يتبع قسم المجانين في الرازي! يااااه .. أين ترك دماغها هذه العشية زوجها الذي صاحبته قرابة سنة؟
شطفة أخرى مُجّت تروي عطش الأرضية ، تفرغ فيها ما تبقي من أسئلة.
كيف استطاعت أن تُخدع بقبول زوج مريض نفسيا؟ مجنون؟ كيف استطاعت أن تعيش معه كل هذه المدة؟ ربما أنا مجنونة؟ تساءلت وأردفت ؛ لا يهم الآن علي أي حال!
أصوات أمها أتتها تسعى من الداخل أن جهزي نفسك لتعودي لبيت زوجك ، دخل صوت أمها أذنها وخرج من الأخرى قبل أن يستقر مع الماء المشطوف للخارج! صاحت ؛ حسنا! دقيقة. ثم كوّمت أنبوب المياه المطاطي وأخذته والمقشة والذكريات وأحداث ما ولّى من أشهر مضت وألقت بالجميع في غرفة الخزن الخارجية. وجدت أشياء كثيرة هناك ؛ أدوات قديمة ، وأسلاك كهرباء تالفة ، ودمى بالية ، منها ما كان ينتظر منذ سنين طفولتها لهذا اليوم ، ومنها ما يبدو أن الله بعثه في لحظتها ، تبسمت وهمست ؛ ألا لا مرد لأقدار الله!
تأخرت علي الموعد الذي سيحضر فيه سلفها لإرجاعها ، فدخلت عليها أختها وأمها لتناديانها. لكن عقدة في النافذة كان يتدلى منها سلك كهرباء ، ومن سلك الكهرباء كانت تتدلى أشباه نظرات ، وابتسامة جافة ، وخواء.
الشرطة تركت ملف قضية القتل -كما استنتجت- مفتوحا ، مخوّلا باعترافات الأهل والأب الشايب ، وهذا دليل لا يمكن أن تُقفل قضية لأجله ضد أي طرف.

.
.
.
.
-النهاية-

أية ش. أبوعقرب
24-8-2015

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s