زبدٌ أبيضْ

“كلّ شيء يبدو أبيضا .. حتى عقلي الذي ظننت أنّي لن أتركه يُمحّى هكذا!”
فكّر ، وهو يقرفص أمام بحر هائج ، أمواجه تصتفق في عجل ، والليل ساقط على حافة البحر مغمى عليه من فرط التعب ، إلا أنه فكر مجددا :
“تُرى أهو ليلٌ حقا؟” ثم تذكر أن ذلك لا يهم ، فكل شيء –علي أية حال- يبدو أبيضا!
الأمواج مشغولة جدا لأن لا تنشغل ، ولم يهمها أن أكبر الأطباء السيكولوجيين معرفة في بلده كان يجلس أمامها ، يحاول أن يوقفها ، أن يسألها ، يحاول أن يفحصها دون أن ينسى أنه يدرس إذ يمحصّها ظاهرة غير إنسانية ، لكنه كان يدرك أن الإنسان نموذج مصغر عن البحر ، بكلّ هيجانه وطيشانه وعلمه وكنهه وحتى بعمقه ، فالإنسان مهما تقدم لابد أن ينحسر ويتراجع كموجة ساعية فخائبة فتائبة. رغم هذا لا ينفك الإنسان ؛ أو البحر في هذه الحالة علي إعادة المحاولة دون كلل. ابتسم ، تذكر أنه أتى إلى هنا أيضا لأنه تقدم أكثر مما يجب وعليه أن يتراجع قيد موجة إلى الخلف ، أن ينحسر عن نفسه.
راق له تخبط البحر ومحاولته لأن يتحرر من نفسه ، فسأل الموج :
“لماذا لا تهدأ؟”
فأجابه صوت من خلفه كان في لحنه ملل كأنه قد سبق وقد قال ما كان سيقوله مئة مرة :
“إنه الشغف بالذي لا يأتي يا صديقي ..”
كان ذلك صديقه الذي عرفه منذ عشر سنين ، جفل الطبيب قليلا فقد نسي أنه قد دعى صديقه لجلسة ليلية أمام البحر ، ثم تذكر مجددا أن كل شيء يبدو أبيضا ولا يعلم حقا أهو الليل أم لا؟
صافحا بعضهما علي شوق ، لكن الطبيب كان في ابتسامته الذي استقبل بها صديقه شيء من الحزن ، كانت دعوة من الطبيب لصديقه أن يسأله عن حاله الذي تركه عليه قبل أن يسافر أخر مرة ، لكن صديقه لم يسأله قط ، فقط قرفص معه أمام البحر الهائج وتأمل بصمت.
كان كل شيء أبيضا ، ورشّة بعدُ من الصمت كانت كافية لتقود الطبيب إلى الجنون! أو هكذا ظن في نفسه ، فقال :
“كيف كانت رحلتك ؟”
أبقى الصديق نظره علي الموج وأجاب بهمس كأنه يتحدث إلى البحر لا إلى بشر :
“لم تكن بدايتها معرّفة تماما ، إلا أنها لم تكن بداية لتنتهي أبدا ، بل إنه لمن الحق أن أقول أنها ابتدأت كي تبتدئ علي ركابها رحلات أخريات ، لكني اكتشفت ذلك مؤخرا جدا للأسف!”
قال ذلك كأنه يقصد رحلة الموج لا رحلة حياته ذاتها ، عدميّة ابتدائه وعبثية لا نهائيته ، كون الموجة منه حافزا لغيرها ليس إلا ، كونها درجة تأخذ لأخرى فقط ، أو هكذا تأمل الطبيب في قرارة نفسه وهو يستمع لصديقه الفيلسوف الذي استمر فقال :
“تخيل لو أن البحر لا يتراجع مطلقا؟ أنه يمدّ دون أن يجزر؟ أنه يذهب إلى كل الحدود الممكنة ولكنه لا يعود ، فيجعل كل شيء أخرا بحرا في كينونته مثله تماما؟ هل يبقي البحر بحراَ في هذه الحالة؟ وهل يكون هناك إذا من عالمٍ لنفكر فيه علي أنه عالمُ محدد ومنفرد ومتفرد؟ تخيل يا صديقي أن للبحر عظمة كهذه؟ ألا يكون إذا هناك من تضارب في مصالح الحياة؟”
لم يفهم هنا الطبيب ما يرمي إليه الصديق تماما ، فهو سأله عن الرحلة فقط؟ حاول أن يستوقفه لكن الصديق استمر في اجترار ما يقوله كأنه قد تدرب علي ذلك مئة مرة مسبقا :
“أرأيت يا صديقي لو أن للبحر سلطة علي نفسه دون أن يتدخل قمرٌ ضئيل في شؤونه؟ هل كان سيرأف بالحياة أو البشرية وأن يوقف تقدمه نحو المجهول ، نحو كماله ، أن يقف عند أي حد كان؟ أنا أتخيل حياة لا يلتزم فيها البحر بقوانين الله لو فرضنا أنه بإمكانه أن يفعل ، ثم أكف عن التخيل لأنه لن يكون هناك أية حياة أصلا!”
أدرك الطبيب ما يرمي إليه صديقه ، كان عليه أن يكف فضوله لا شغفه ، حبه للكمال لا حبه للحياة ، ترفه الفكري لا وجوده الجسدي. تساءل بينه وبينه هل وظيفة الأصدقاء أن يرموننا بالسهام؟ وهل يتقنون فن الرمي لأنهم يعرفوننا أم لأنهم مختلفين عنّا؟ ثم أدرك الطبيب أكثر أن صديقه شطرا أخر منه ، لحن الحزن في نبرته ، الشرود في نظرته ، الفلسفة المباشرة في قوله ، والتهكم في ابتسامته ، كل ذلك كان في صلب كيان الطبيب نفسه. فسأل الطبيب منكسا حاجبيه مشيرا إلى ما حوله أخر سؤال إذا كان بإمكانه اعتباره سؤالا لا ملاحظة :
“البياض هذا شيء مقيت جدا رغم وضوحه”
لكن الصديق كان قد رحل نحو مجهوله إلى مكان لا يصله فيه حتى الطبيب نفسه إذا أراد ذلك حتى يسمح له هو بذلك. إلى مكان مظلم جدا ، وبعيدا جدا عن هذا الزبد الأبيض!
ناد الطبيب صارخا وجاثيا أمام البحر صديقه بكلمات لا حروف أو فواصل فيها ، لم يسمعه الصديق قط كأنه لم يوجد أبدا ، لكنها كانت كافية أن تشعل المنبه الرابض في رسغ الممرض المشرف الجديد الناعس في أخر الرواق.
عندما فتح ذاك الممرض الأسمر النحيل الذي عُين مؤخرا في القسم الثاني الحجرة الفردية الخاصة بالمريض رقم 193 لم يجد فيها سوى رجل ذو لحية بيضاء شاعتة يرتدي زيّا كزي المجانين الأبيض يصرخ بشكل هستيري وبجانبه فراش أرضي أبيض وجدران بيضاء مبطنة بكاتم للصوت. غرفة كالبقية ، ومريض كمثل أي مريض أخر في المستشفي.
تعرف الممرض علي ملف المريض قبل إعطائه دواءه فقد كانت أول نوبة للممرض هنا فكان أن وجد في الملف صورة ليست بالقديمة لطبيب مع طلاب يحتلقون حوله ، كأنهم يحتفلون بنجاح له ، ثم في سطر في صفحة أخرى كُتب فيه حالة الطبيب باختصار : انفصام ذهني ، وتاريخ طويل مع البارانويا. لم يستغرب الممرض ، فعمله ألا يستغرب.
وفكر في رتابة عن سبب الحالة البائسة هذه ، فاستخدم بعض الرياضيات والاحتمالات الإحصائية السريعة في رأسه وألصقها بخبرته الضئيلة جدا ليستنتج أنه ما نسبته ثمانون في المائة سببا يرجع لخيانة زوجته له ، لكن الممرض الأسمر الجديد لم يقرأ السطر الثالث الذي يقول أن المريض لم يتزوج قط ، وكان خالي العلاقات.
بعد أن أقفل الباب عليهما ؛ أعد الممرض حقنة سريعة هدّأ بها روع المريض الذي لم يتعرف عليه أصلا ، وأهداه بها عالما قد لا يبدو أسودا تماما لكنه علي أقل تقدير لن يبدو أبيضا أيضا!
قبيل خروج الممرض من الغرفة شاهد لوحة عرضها نصف متر وطولها كمثله معلقة علي الجانب الداخلي من الباب تعرض مشهدا مضببا لبحر هائج وموج مائج وزبد ناتج وقمر بعيد لا يكاد يري في زاوية اللوحة ، فلاحظ أنها الشيء الوحيد الذي لا يبدو أبيضا في هذه الغرفة وحدّث نفسه قائلا وهو يتمعن في اللوحة الساحرة :
“بارانويا ؟؟
لا غرابة..!”

.

.
أية ش. أبوعقرب
21-2-2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s