دورة حياة طُفيل

الملل علي أشده ، وعربي لا يفقه فن الاستمتاع كثيرا ، فهو عربيّ ؛ اسم علي مسمى.
النافذة مغلقة والستائر مسدلة ، وحتى صوت العصافير يبدو مخنوقا كأنه يخرج من مغارة ويدخل لغيرها ، زوجة عربيّ تمارس الغيبة في حضرة جارتها علي بُكرة الصباح ، حيث القهوة والقهقهات العالية والشتائم خفيضة الهسيس ، والروتينالقابل للتدوير. فهو وحده إذا . لا عمل . لا فكرة . التلفاز هناك ينتظره ، انطلق كالببغاء الرخيصة عندما أداره عربيّ.
(( .. وهذه كانت أهم أخبارنا لهذا الموجز ، أملين أن نلتقي بكم في حلقة خاصة حول احتلال العاصمة في اليمن مساءا مع ضيفنا الدكتور فتحي الإسماعيلي علي تمـــ ..))
إعتدل عربيّ في جلسته فرفع رجلا وثناها تحت الأخرى ، أخذ من المنفضة التي تجلس أمامه علي الطاولة سيجارة مستهلكة ، ونفخ فيها النار وبعثها ترقص عند شفتيه الغليظتين . صنع سحابته المعتادة وتركها تعمم حول رأسه ، ورجع يحدق في التلفاز بتلقائية الميت.
جهاز الروموت بعيد بمقدار إنشات قليلة عن إصبعيه ، لكنه جاهد علي الوصول إليه وغيّر المحطة ، تغيرت المذيعة والأستوديو ولوقو القناة ، ولكن اللكنة الإذاعية لا تزال علي حالها ، ملّ أكثر ، وسحب نفسا أخرا من السيجارة التي تتقزم تدريجيا بين شفتيه.
((وصلنا خبر عاجل ، قوات الجيش تحكم قبضتها علي الحدود السورية ومقتل عشرات الـأطفــ ..))
غيّر المحطة مجددا.
((نترككم مشاهدينا الآن مع الصور الحية التي ينقلها لنا مراسلنا من المؤتمر المنعقد إزاء الأزمة النفطيـــ ..))
قطع نَفس الإرسال وغير المحطة الجديدة مجددا . فهذا ممل كثيرا بالنسبة إليه.
((ما رأيك أستاذ جابر في أقوال وزيرة الخارجية الألمانية حول “استيراد الإرهاب” من مصر علي حد تعبيرها وهل لديك أي تعلــ ..))
ظن عربيّ أن المذيع أخطأ اللفظ ، استيراد الإرهاب؟ هو لا يعرف سوى أن الدجاج المجمد يُصدر ويُستورد ، وليس الإرهاب. غيّر المحطة كذلك.
((خروج المئات في مظاهرة ضد رفع أسعار الخبز ، والجيش يعتدي على الشعب ومن ميدا..))
غيّر المحطة مجددا.
مر ّ الوقت في ماراثونه ، الظهر انتصف في الخارج ، الأطفال في مدارسهم ، الشارع يرقد في صمت عقيم ، مزمار السيارات يبدو وكأنه يأت من الخلفية البعيدة للحياة ، وعربيّ لا يزال يغير المحطات علي أمل الحصول علي خبر يمتعه.
هذه المرة قناة فلسطينية تعرض صور لنساء عجائز ترمي الصهاينة بحجارة الطريق ، ترفقها بلحن لأغنية قديمة لفيروز وهي تقول جَهرة (( الغضب القادم أتٍ وأنا كليّ إيمــــــان!..))
طفح الكيل بعربيّ فنكّس سيجارته في المطفأة وقام غاضبا ، زابدا ، يتطاير السباب من فمه ذي الرائحة المزعجة فيزيده سوءا ، أزال فورا فيشة القمر الفلاني واستبدله بفيشة القمر العلّاني ، وشغّل قناة لكرة القدم التي لا يفقه فيها شيئا ، لكنّها علي الأقل شأنٌ رجوليّ.
أعدت له زوجته النحيلة غداءا كمعظم المرات ؛ حساء بازلاء ، وجلسا لطاولة الغداء لا يجدان ما يتحدثان عنه غير أخبار جارتهم التي جمّعتها زوجتهكنملة مجتهدة ، تقول له مدعيّة للشفقة : ابنتها تركت كليّة التجارة واشتغلت في المزيّن الجديد القابع في رأس شارعنا ، المسكينة! وخطيب بنتها البكر ينوي فسخ الخطوبة قريبا ، المسكينة! وعند مطلع الأسبوع القادم تكون قد أكملت عدتها! الأرملة المسكينة!
أما عربيّ فلم يجد في جعبته ما يقوله ، فكر كثيرا في خلق أي شيء ممتع ، أي ذكرى قريبة تلوح قادمة له ، عصر مخه الضئيل عن أخر ما سمعه في يومه ذاك ، ولكنه كجهاز راديو قديم وخرِبٍ راح يتلو الخبر تلو الأخر ((قوات الجيش تسيطر علي الحدو….))
.
.
-النهاية-

 

أية ش. أبوعقرب
29-2-2016

Advertisements

2 thoughts on “دورة حياة طُفيل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s