حِيطان

تصاعد الدخان المُنطلق من سِيجارة المالبورو التي تتلاعب كجنية حدقة بين شفاه جلال لتكون غيمة سرحت بعيدا مع مثيلاتها في المقهي المنزوي بنفسه في طرف الشارع ، أبدى صديقه إبراهيم عدم راحته في وجود قبيلة من السجائر تنفث سمومها في أنحاء محيطه. فتحركت مشاعر (إنت مش أحسن مني) في الجانب المِحسدي من جلال والذي قال ممتعضا
-بتبدا في الجو من توا يا برها! شنو إنتو مالا غادي معندكمش ناس تدخن في طورنطو ؟
-إسمها تورنتو! بعدين الناس غادي في كندا يسبسو مرة بعد وينك مش ثلاتة سباسي لكل دقيقة!
-يا راجل ليبيا خاشة في حيط وأنتا تكلم فيا علي الدخان ؟؟
مرر إبراهيم يده في شعره ، خافيا بين خصلاته توتره المتزايد ، في قرارة نفسه يدرك بأن الغربة التي يشعر بها الأن في محيطه هي رد فعل عكسي للغربة التي إقترفها في حق وطنه عندما تركه قبل سبع سنين.
دفع جلال الحساب مع دقة علي صدره بما معناه:
-الحساب عليا يا برو !
كان جلال يمسك في يده كوب القهوة الكرتوني والتي أكملها قبيل خروجهم من المقهي ، رماها بجانب المحل متفادية سلة القمامة لتستقر بجانبها ، وضع نظّارته الشمسية وإتجه لباب سيارته ، قال إبراهيم بصوت يكسوه اللعنة معلقا على كوب القهوة :
-خيرك؟ السلة خطوة جنبك؟
رد جلال بإعتيادية وهو يضرب باب سيارته الصدأ بكفه :
-تي غر أركب وأفتحلي الباب من الداخل ، وأنتا طورنتو ما علماتك إلا الدوّة .. بعدين جت علي طاسة قهوة! تي هيا ليبيا خاشة في حيط!
بعد ساعة من الجولة التي أهداها جلال لإبراهيم بمناسبة عودته للوطن منذ يومين ، توقف جلال بسيارته السيلو في إشارة مرور لا توجد بها إشارات ، صانعا بإطاراته المتفحمة صرخة خرجت من حلق إبراهيم مرغما بها ، صرخ إبراهيم علي فعل صديقه :
-what the **** man …… إنتا من بكري تجري وموقفتش في ولا إشارة ، إش معنا هادي توا ؟ يا ريته حتي فيها إشارة!!
-تي خيرك يا راجل ما تفهمش بكل ! شوف المصيبة اللي علي يساري!
إلتفت إبراهيم ليساره لا إراديا ليجد سيارة كيا بيكانتو فضية تجلس خلف مقودها فتاة ما ، شبه فتاة ما ، تتمايل مع صيحات السوكني ، وفي خلفها تجلس وصيفاتها وتبيعاتها ، تلوح بيدها يمينا ويسارا كأنما لا يكفي الطلاء القبيح في أظافرها لجذب الإنتباه.
-قصدك هادي مصيبة ؟؟؟ تي هادي أرجل من Pink !
تابع جلال الجولة بعد أن تلى رقمه المقدس علي مسمع صاحبة البيكانتو ، متجنبا وعظ صديقه و”تختريفه” علي حد قوله ..
توقفا بجانب الميدان الرئيسي في طرابلس ، داعيا جلال إبراهيم لجولة في المدينة القديمة ، علي سبيل توطيد علاقة إبراهيم بوطنه المنسي. مر الصديقان من خلال ساحة الميدان وصولا لأزقة المدينة الضيقة ، أشار جلال لساحة تفصل بين شارعين تبدو ساحة عامة ، وقال ضاربا قبضة كفه في راحة كفه الأخر :
-شفتها قطعة الأرض هادي يا برها؟ كلمت صاحبي التارقي عليها. زبطه أحمد الأسمراني ولا ؟ بنديرو فيها مشروع موقف سيارات.
-وكملت أوراقك or what؟
-وراس أمك بلا جو زايد!! تكلم عربي ،،، تي إنتا عارف الشهادة الاعدادية بتعي اللي داسها في دولاب حنّاي قداش فيها صفار ف الأنجليزي؟!
زاد شعور الغربة في قلب إبراهيم رغم بساطة ومزحة عتاب صديقه ! رد متأسفا :
-طيب ،،، غر قولي توا الأرض كملت وراقيها ولا شنو؟
-أوراق شنو يا برها بس. تي كورجنا عليها ، إعتبرها تمشيط ، هدا التارقي شكلك ما تعرفاش ، ولاد الحومة كلهم قروبه ما حد يقدر يمنعنا !
-باهي والقانون وحق الناس والمرور والأمور زي هادي؟
ضحك جلال حتي كادت تنفلت من مقلتيه دمعة لولا أنه تدارك نفسه ثم قال :
-ليبيا خاشة في حيط ، وقفت غر عليا أني؟ تي مشي أمورك وأسرع شوية عندي ليك راس موضوع!
لعن إبراهيم اليوم الذي سمح لجلال فيه بهذه الجولة ، تلاعب بخاتم الخطوبة في يمينه كثيرا ، والذي يربطه بفتاة ليبية تقبع في النصف الأخر من العالم ، منتظرة رجوعه.
وصل كليهما لدكانة صديق جلال ، رحّب بهما وإن بدا توتره وحزنه ظاهرا ، تركهما في محله وإستأذنهما ليحضر لهما الغداء من المطعم المجاور ، قال جلال كاسرا الصمت الغريب :
-هادا ولد عم واحد صاحبي ، الشبوب المعبي اللي مرة قتلك عليه ، عندهم مشكلة ثأر ويبي يطلع لبريطانيا ، بيهرب يعني.
-به والمطلوب؟
-مش عمك يخدم في الجوازات؟ دبّرنا كيف نطلعوله جواز اليومين هادو .. قبل الولد ليمشي فيها!
نط العرق الذي يتوسط جبين إبراهيم ، وفز من كرسيه قائلا :
-أصلا إستغربت كيف درت بيا دورة و بنزينتك ناقصة!! شكلها ما تجيش منك تزغرط !
-تي لا يا برها خيرك ، أنتا خونا وصاحبنا وحبيبنا ، وعاد علي عيوني متردنيش ..
ظهر صديق جلال مقتربا وهو يجتاز الطريق ، همس إبراهيم قبل قدومه وكله غضب علي صديقه :
-جلال! هذي واسطة وأني منرضاش بيها حتي كان قال عمي باهي!
-يا برها تي هيا خاشة في حيط ، مجرد تخريج جواز ما يضرش !!!
دخل صديق جلال وكأنه يعرف مسبقا ما الذي قد يخدمه به إبراهيم ، بات ذلك الصديق خلوقا لأجل مهمته ، يشكر كثيرا ويدعو بالخير كثيرا ، نهض جلال دون موافقة إبراهيم وأعرب :
-خلاص البرها تو ينشط روحه ويحل الموضوع ، قول تم !
بعد نصف ساعة غادرا المحل بوجه بشوش عند جلال ، ووجه متجهم عند إبراهيم ، ركبا السيارة وسأل إبراهيم صديقه أن يوصله للبيت فورا ، فمظاهر الحنق بادية عليه ..
أصاب الدوار والغثيان رأس إبراهيم من جراء الحيوط التي دخل فيها للتو ، في وطن حرفته نطح الحيطان!!
في طريق العودة أخبره بأنه سيعود لكندا في خلال يومين ، وسيترك رقم ذلك الصديق مع عمه ، وبإمكانه الرجوع إليه لغرض الجواز ، إستغرب جلال وعاب تسرع إبراهيم متسائلا :
-شنو يا برها مش قلت بكري بتستقر في ليبيا بالرسمي؟ دكتور وما تبيش تخدم بلادك؟
أدار إبراهيم خاتم الخطوبة في يمينه مجددا ، ثم قال بتهكم وإزدراء ، معيدا بصوته تقليد جلال في الصباح الذي مضي :
-وقفت غر عليا أني ، تي هيا أصلا خاشة في حيط ….!
..
في السماء ، وفي الطائرة المتجهة لكندا بعد يومين وصل علي نقّال إبراهيم قبل أن يقفله رسالة من أخوه يقول فيها بأن “صاحبك جلال في العمليات ماهو دار حادث وخش في حيط “.
قال إبراهيم تاركا فحوي الرسالة يغرق في اللامبالاة :
-الحمد لله ما فيش في السماء حيوط!!

.
.

-النهاية-


أية ش. أبوعقرب
15-9-2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s