تَرنيمات عِيد الميلاد

الخريف لا يأتي دونما أن يكون دراماتيكيا ، يمر علي رؤوس الأشجار فيمسيها صلعاء دون أوراقها ، ويهمس لرياح الصيف الكسولة فتهيج غضبا وتزبد وترعد بالأجواء ، فتمنع الغيوم اللطيفة التي أتت راجية البكاء أن تمارس حقها ، فتعدو المسكينة بعيدا لتمطر بغير البلد ، فتترك الأرض جرداء ، ويقال في هذه الحالة أن الأرض مصابة بالخريف!
ولم يختلف الخريف كثيرا هذا العام ، أو هكذا كانت تراه سلمي.
كان الرابع من سبتمبر ، وكان الخريف قد طلّ من نافذة المطبخ حيث كانت سلمي تجلي الصحون ، في بيت غير بعيد من لب المدينة. فبدى مظهر الجو خارجا محفزا للكآبة ، وللحق لم يكن ينقص سلمي أيّ كآبة زيادة .
جعلت ترمي الصحون جانبا بُعيد جليها شاردة الذهن وتبدو غير مكترثة ، وكأن جلي الصحون إحدي إعتياداتها ، لم تكن لتفكر بكيف أجلي الكوب أو كيف أنشف الصحن ، فهذا شيء لم يعد ضمن إهتمامات عقلها ، وإن الأنثي المتمرسة في أعمال المطبخ تدرك بأن أخطر الأفكار التي تنضج عن البشرية جمعاء هي تلك التي تخطر علي بال الأنثي وهي تمارس جلي الصحون ! مثل ، كيف تتخلص من عشيقة زوجها ، أو كيف تخبره بأنها قد تشاجرت مع أمه دون أن تغضبه ، أو كيف تجعل حبيبها خطيبا ! وأشياء كثيرة تفقهها الأنثي وحدها.
أما سلمي فما كانت لتفكر بكل ذلك ، وإنما الأفكار التي كانت تتلوي بين ثنيات عقلها أخطر عليها من غيرها ، لذا ما كانت تدري تماما كيف تفسرها ، والأدهي ما اقترن بتلك الخواطر من مشاعر سلبتها لحظتها ، وأقبضت علي قلبها فكسا وجهها تجهما!
نظرت نحو النافذة التي أطل منها الخريف الحزين ، حيث شجرة التوت قد صارت شقراء وجرداء من لباسها ، والأرجوحة الموصولة للشجرة تلهفها الرياح يمينا وشمالا ولا حول لها ولا قوة. كانت سلمي أشبه بتلك الأرجوحة القديمة ، تحاول الرياح أن تقتلعها ، ولكن الشجرة تمدها بالصمود. كانت سلمي أيضا بين الحرية والعبودية ، تلفحها أفكارها العاتية ولكن أصولها المتجدرة في العائلة تمنعها عن الحرية!
عادت سلمي تجلي الصحون في خشوع متبتّل تجتاحه أفكار كفر وإلحاد! كانت بين ماضٍ سحيق لا أمل بأن يعاد ، وحاضر سخيف لا تجرأ أن تفكر فيه ، أما المستقبل فكان شيء أخر لم توليه إهتماما ، كان ذلك خطأها الأجسم دون أن تدري.
الكهرباء كان مقطوعا في البيت شأن البلد الغارق في ديونه ، فزاد هذا من تجهم سلمي أكثر فأكثر. صار الماء باردا والصحون لم تنته بعد ، لكنها ما غضبت ، أكملت ذلك وهي تنظر خارجا ، حيث الريح إزدادت خشونة ، وجعلت تمر بين ألواح الألومنيوم الصدءة جانب النافذة بالخارجفصنعت صريرا ، أثر الأخير علي مزاج سلمي وأفكارها المتزاحمة فسقط صحن من يدها ، وأيقظها!
تركت الصحن مكسورا ، وترك الصحن عند سقوطه أفكارا أخري لتنساب لعقلها ، خرجت مسرعة كأنها تهرب من نفسها ، فأين قد تهرب من نفسها؟ ركضت نحو الأرجوحة وجلست بها ، ورغم اللوح الرقيق الذي تمتلكه تلك الأرجوحة ، إلا أنها إحتملت جسد سلمي ، ومآسيها.
تأرجحت سلمي قليلا ، متذكرة أول يوم لها بالثانوية ، كانت تعشقها ، وتكرهها!
سمعت صوت دانا الصديقة يقول :
(تعالي يا سلمي لي عندك خبر أكثر من رائع !)
وصار صدى “رائع” يعاد في أذنها مرارا ، مراراَ.
إنقطع الصوت لتري نفسها تختبيء خجولة خلف شق الباب لترمق حسن من خلاله ، أغمضت عينيها لتقشع ما تراه وتذكرت أنها ضحكت يوم رأته ، لم تكن ضحكة فتاة تنظر لعريس الغفلة ، بل ضحكة من يحتاج لمغامرة.
ويا لها من مغامرة ! قالت ذلك لنفسها !
عاد صوت دانا يهمس في عقلها :
(ما أجملك اليوم! تبدين جميلة بالأبيض ، كم أنت محظوظة)
عضت هنا سلمي علي شفتيها كأنها تريد أن تبتلع فكرة أنها محظوظة بعيدا!
عادت للتأرجح هي وأفكارها وذكرياتها ، رفعت إصبعا لها قد خدشه السكين من يومين عندما كانت تحضر الخضار ، نظرت إليه متمعنة في الخدش الذي إلتئم ، فمر عليها شريط غابر من الذكريات كانت قد تناسته ، تذكرت أن قُبيل عديد من السنين التي لا لأحد أحقية في أن يعدّها ،كانت تجلس وكلها صراخ وبكاء ، وتحاول أمها جاهدة أن تخفف وتيرة الطفلة العصبية ، قالت لها وهي تضغط علي إصبعها المجروح الصغير :
(إهدئي سلمي ، إهدئي ! ستكبرين يوما ما وتصيرين طبيبة ماهرة وستخاف الجروح والألام أن تقترب منك أيتها البطلة) ونفخت حول الإصبع علّ الألم يروح بعيدا ، ما أدراها الأم الرؤوم بأن جروح البعض لا تندمل.
ومن هناك ، كانت تري سلمي دائما نفسها طبيبة ترتدي الأبيض البهيّ ، وتداوي ألام الأطفال الصغار ، كان هذا حلمها الذي لم تحققه ، وحياتها التي لم تعشها!
بيد أن سلمي إرتدت الأبيض يوما ما ، إلا أنه لم يكن الأبيض الذي تمنت ، ناوية بذلك سذاجة أن تعيش مغامرة لا مثيل لها ، بتاريخ كان المفترض أن يكون أول يوم لها بالكلية.
مرت وجوه كثيرة علي ذاكرتها ، أحدهم وجه دانا وهي تستلم الدكتوراة في علم التشريح الشرعي وهي أولي مشجعاتها بأن تتزوج. ووجه معلمها في الصف الثالث إعدادي وهو يحذرهم أن ينصعن خلف بيعات أبائهن لهن ، قال قبل أن يحصل علي تقاعده عن تقاعس المجتمع من حوله :
(هذا المجتمع لا يحتمل كون الإبنة مثل الإبن لها حقوق كما عليها واجبات ، وأنه من حقها أن ترفض الزواج ما دامت لا تريد هي ذلك! يا بناتي إن الرسول الكريم أعطاكن حق أن ترفضن ، بل حذر الأباء أن يغصبن بناتهن علي ذلك!)
رأت كذلك يومها وجه أمها الذي تواري خلف التراب وقد أصابها المسكينة ورمان لا واحد ، وقد ظنت سلمي يوم وفاة والدتها بأنها لو درست الطبّ لكان الأمر قد إختلف!
شعرت سلمي بركلة في بطنها، فعادت إلي حاضرها ، من ثَم وضعت تلقائيا يدها حول البطن الصغير ، متذكرة أن أحدهم ينمو هناك طالبا حقه في الحياة! لم يكن حملهاثقيلا علي جسدها إنما علي نفسها ، ثرثرت دون القول جهرا :
(هذا ما كان ينقص ، روح أخرى بعد وتُنهب روحي!)
إلا أن ألاعيب حسن تجعل من التوبة أمرا مستحيلا.
تذكرت بذلك فوج أطفالها الذي لابد وقد حان موعد عودته ، فزوجها حسن ظُهر ذلك اليوم قرر أن يأخد الأطفال لزيارة جدتّهم العجوز ، إبنة بالثامنة عشر و عدة صبيان ، أصغرهم ذو ثلاثة أعوام ، نهضت عن الأرجوحة كثكلي تنهض من قبر إبنها الشهيد ، متثاقلة ، غير أبهة بما سيحدث تاليا .
لفت حول البيت لتدخله ، أدارت مقبض الباب الفقير الذي يستر ما لا يحتمل ، وإذ بالأضواء تنبلج علي مقلتيها ، الغريب أنها لم تتفاجأ ، إنها عادة زوجها وأطفالها منذ خمسة عشر عاما ، التي لم يملوا منها أبدا ! فكيف قد تتفاجأ؟
قالو جميعا في صوت ملائكي لولا شائبة صوت حسن الجهوري :
(هابي بيرث داي تو يو ،، هابي بيرث داي تو يو ،،، هابي بيرث داي ،، هابي بيرث داي ،، هابي بيرث داي تو مام!)
ابتمست سلمي إبتسامة ودت لو تهلك بعد كل هذا العناء ، وشكرتهم جميعا ، وقبلتهم جميعا ، وأحبتهم صدقا جميعا ، عدا نفسها!
أنار حسن شمعة واحدة وسط قالب الكيك ، وأطفأ الأنوار ، وجلسوا يترقبون سلمي أن تطفيء شمعتها ، كالعادة طبعا ، إبتسمت الأخيرة إبتسامة عظيمة ونفخت تلك الشمعة الحمقاء التي تساوي من حياتها أربعين عاما الأن ، أربعين عاما لم تكن فيهم سلمي ما أحبت أن تكون!
وبين ذلك وقبيل أن يشعل حسن الإنارة رأي إبن الثالثة دون إخوته إبتسامة عظيمة إنكسرت علي شفاه أمه ، وإنتحرت في غير رجعة.

.
.

-النهاية-

 

أية ش. أبوعقرب

27-1-2015

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s