الإستقرار في المُنتصف

(إستقري في قلبه يا عزيزتي) 

هذا ما وجدته مطبوعا جانبيا علي خصري حينما إستفقت يومها ، مع قبلة حارة ، لقد مررت كثيرا في علاقات مع الرجال في حياتي الطويلة ، لكني لم أتورط في علاقة مع أحدهم حد أن يوشمني بشيء كهذا ، كانت تلك أول مرة ، وأخر مرة .
للغرابة ، وللحق لقد كان ذلك هدف حياتي منذ بدايتها ، منذ إنصهاري ، ومنذ أن صرت ما صرت عليه ، إن الإستقرار كان ويظل منشدي ، وحينما وجدته موشوما علي زادت قناعاتي به ، بل حاجاتي له ، لا يهم أي قلب ، لا يهم أي رجل ، إن الذي يهم هو الإستقرار!
وأظنني علي مقربة من تحقيقه ، في الحقيقة فإني إستقطعت جزاءا من الثانية الأخيرة من حياتي لأخبركم بقصتي ، لقد مضي حتي الأن كثيرا منذ أن وجدتني علي قيد الحياة ، كان ذلك في روسيا قبل عشرين عاما ، كنت طازجة جدا كأي مبتدي!
لم أمضي هناك حتي الشهر قبل أن أرسل إلي اليونان ، وهناك وجدت غابرييل ، أول من إلتقيته ، وأول من إمتلكني. وجدني في المتجر مع أخواتي ، نبدو أشهياء للغاية في شكل جماعي ، جديدات ، ومتراصات وهادئات. أو علي الأقل هذا ما أخبرنا إياه في الطريق إلي منزله ، لقد إعتدنا أن يبرد طقس روسيا أجسادنا ، وهناك في اليونان لم نجد أنفسنا غير قطع ساخنة جدا.
مع غابرييل ، كان الوضع مملا للغاية ، كأي عجوز أخر. ظللت معه خمس سنين قبل أن يموت وأنتقل بالوراثة أو بالمشادة الكلامية فلست متأكدة ، إلي إبنه رام ، لم يعجبني هذا الولد المتحاذق ، كان يستخف بي ، ولم يدرك يوما قيمتي الخطرة!
لكن لحسن حظي وفي الفترة نفسها أهديت من قبل رام لإستاذه ، السيد خوسيه ، بقيت معه ما يزيد عن الأربعة عشر عاما! ولم أدر كيف يهدي الطالب أستاذه شيئا كمثلي!
من يري خوسيه قد يظنه أستاذا جامعيا بريء ، ما يملك أكثر ما يظهر للبشر من حوله. ولكن ما لم يظهر لهم كان جنونه ، وكنت أدرك وحدي حجم جنونه !
علمني حاجتي إلي الإستقرار ، لكنه كان لعوبا ولم يرزقني إياه يوما ، كما أنه عرفني بما يسمونه الناس بالحظ ، ويا لهذا الحظ الذي إمتلكه خوسيه …
كان يمارس طقوسا غريبة ، خلال كل تلك السنين وفي كل عيد ميلاد له ، في شهر أيلول من كل سنة ، يرفقني مع مسدسه وسيجارته إلي شط غير بعيد من بيته الصيفي ، يختار منتصف الليل دائما ، يضع سيجارة غير مشتعلة بين شفتيه ، يستقبل البحر الذي بلا نهاية ، يقبلني بصدق ، يحشوني وحيدة و بعشوائية في بيت المسدس الرخيص رغم جودته ، يديره بسرعة شديدة ، وبووم. يطلق النار!
لم يمت يوما بي ، لأني لم أكن يوما في مجال الإطلاق بمسدسه. ولم أكن يوما في حاجة إلي أن أستقر في مخه. كنت مكتفية أن ألعب معه فقط ، رغم حاجتي التي لا تنتهي لأستقر في أحدهم ، في منتصف أحدهم!
خوسيه كان يفعل ما يفعله دائما لأجل أن يتحدي نفسه ، حظه ، أو الموت. لا أدري تماما ، لكنه وكما يهمس دائما بعد الإنتهاء بأنه يربح عامه في كل مرة!
يخرجني ساخنة ، يقبلني من جديد ، ويضعني في ذلك الصندوق حتي العام الأخر. لقد أصابتني الشيخوخة وبعض الصدأ خلال تواجدي معه !
علي أن أسرع فوقتي شارف علي الإنتهاء … علي الإستقرار.
في النهاية خوسيه مات بحادث مروري متجنبا القدر فرصة منحه الموت بنفسه ، مخلفا إياي لأحدهم بالتوصية. كان أحدهم هذا -صديق خوسيه- هو من أطلق سراحي ، من أعتقني ، ومن وشمني بعبارة الإستقرار تلك. بعد عام كنت معه في ليبيا ، وطنه. موصولة إلي سلسال في عنقه ، موشومة بما أخبرتكم إياه في البداية ، متسائلة كيف يبدو شكل ذلك القلب؟
لم أفهم مهمتي كرصاصة بالكامل ، لكني كنت علي علم بشغفه وسره هذا ، وحدث ما يحدث الأن!
أجري طارق مكالمة هاتفية إنتهينا علي إثرها في حديقة عامة. إقترب طارق من الرجل الجالس وحده علي الكرسي ، صاح فيه (اليوم يومك كما وعدتك ، وكما وعدت أسماء!!) 
يهيأ طارق مسدسه المحشو بي ، ينهض الرجل ، يتمتم بشيء لكني لست مهتمة! إني أدعو كثيرا أن تمتلك الشجاعة طارق ، الرجل يتمتم ، إني أدعو لما خلقت لأجله ، طارق يرتعش ، إني أدعو للإستقرار ، يصيح أحدهم من بعيد ، ما زلت أدعو ، يضغط طارق علي الزناد ، إني أنطلق ، ها أنا أقترب ، سأصل ، وها أنا ذا في قلبه ، في المنتصف! وأخيرا ..
.
.
.
-النهاية- 

أية ش. أبوعقرب
9-12-2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s