تجاعيدُ الخريف

“مَريم ، يا مريمُ .. ما بكِ !”

لفت إنتباهي الإسم حينما تغنت به مطربة ما علي الراديو ، إنه ذات الإسم الذي عاشرني طيلة حياتي.
تمعنت فيه قليلا ، وحاولت أن أسبر غوره. لم أقف يوما خلف معناه ، وهل أفعل اليوم ؟ كان الإسم ينطلق عذبا ، جهورا ، حرا من بين شفتيها. جعلني حتما أفتش في ثناياه عن عِشرة العمر!
أسعدني جدا أن أحدهم يغني لأسمي ، صحيح أن لا أحد في هذه الأيام يستمع للراديو ، لكن رمزية كتلك كان بإمكانها أن تبث فيني بعض الحياة.
إنسجمت كثيرا مع تفاصيل الشعر التي تتغني به المطربة البدوية الفصيحة والتي أجهل اسمها ، حتي صرت أدندن بالكلمات معها ، وسرح بي الأمر أن تراقصت بعض من أجزائي علي ألحانها !


“أه يا مريم .. ما بك صماءْ؟
غرقت أنا في بحر صمتكِ …
أرحمي إختناقي ببعض الهواءْ
يا مريمُ .. يا مريمُ .. ما بكِ!
عيناي عندك منذ إلتقينا
وينبضُ عندي قلبكِ …!”


وفي فورة حالتي تلك تشبثت في تلابيب ثوبي سارة وهي تمسك في يدها حفنة من الأزهار ، أطفأت الراديو متمنية لو سجلت الأغنية قبلها ، كان ظهري يؤلمني جدا ، فسحبت صغيرتي سارة من يدها وأجلستها وإياي علي سريري.
-ها يا سارة ماذا تريدين ؟
-جدتي! قطفت هذه الأزهار من الحديقة ، أريدك أن تصنعي لي عقدا من الأزهار أضعه في شعري ، كما فعلنا الخريف الماضي؟
كانت حفيدتي تقول ذلك بكل ما أوتيت من طفولة ، وبكل ما أوتيت الطفولة من سخافة ، وبكل ما أوتيت السخافة من إعجاز.
مررت يدي علي خصلاتها الكستنائية وقبلت جبينها ، بعد أن قبلت طلبها بالإيجاب. وهل تعلمون بأن العجائز مثلي يعيشون علي ضفاف طفولة أحفادهم. كم هي مرتبطة أفراحنا وأتراحنا بإبتساماتهم ودموعهم!
صرت حكيمة بعض الشيء في الأونة الأخيرة ، ليس لسبب إلا لأن الحكمة هي القبعة التي يرتديها كل متسابق إجتاز خط الستون. يبدو الأمر ومن زاويتي ضربا من الطبيعة.
إنتقلت لغرفة المعيشة ، تجلس إبنتي تشاهد التلفاز ، مع إبنتها سارة ذو الثمانية أعوام ، و وإبنها حفيدي المدلل زيْد ذو الخامسة ، حيث تعيش معي مؤقتا ، تبقى هنا حتي يعود زوجها من السفر ، ثم تعود له وتتركني لصديقتي الوحدة مجددا ..
رأيت سارة تحمل الأزهار الخريفية في ردائها ، وكأنها تخشي منها الهروب ، أرسلتها لتحضر لي عدتي وجلست في الشرفة أنتظرها كأي عجوز ملّت صخب الحياة ومجونها .. وتلفازها!
سمعت إبنتي تتلقي إتصالها المنتظر ، لا بد وأنه زوجها سيعود من السفر. أُبتليت هي بذات البلاء الذي أصابني في السابق ، زوجها صحفي يسافر كثيرا في عمله ، أما زوجي ، أباها ؛ فكان جنرال حروب …. مختلفان هما ، وكم هما متشابهان !
إهتزّ الكرسي ككلمرة أجلس فيها عليه ، صرت أتمعن في الشعور الذي ورطت نفسي فيه ، شعور حانق ، خانق ، ناتج عن كومة الروتين هذه التي أعيش فيها. أعني كم مرة شاهدتم فيها عجوزا وحيدة تجلس علي كرسي هزاز بعدة الخياطة تلعن العجز التي سقطت فيه ، وتبدو بنظارتها الزجاجية حكيمة بدون أي فائدة من تلك الحكمة ؟!
أقنعت نفسي بأن هذا الروتين هو رد فعل طبيعي للشباب الصاخب الذي عشته ، ثم تذكرت بأني نسيت كثيرا من ذلك الشباب خلف عتبة الزواج المبكر.
أحضرت لي سارة عدتي وجلست بجانبي ملتهمة الفرحة الموجودة في الأجواء ، ومحتفظة بها في فاها الصغير المبتسم. قالت لي بعد أن أدخلت ستة زهرات في العقد الذي صنعته لتوي :
-جدتي !
-نعم يا عزيزتي
-نقْ ،، نقْ ،، نقْ
ضحكت كثيرا في باديء الأمر. سارة تحب هذه اللعبة حقا ، وهي ذكية فيها ، أتذكر أخر مرة لعبت معها هذه اللعبة ، كانت عصفور طنانْ! أجبتها بعد أن أعادت قولها مرة أخري :

-من الطارق ؟
-أنا الشتاء!
-أي شتاء؟
-شتاء البرد الطويل ،شتاء الأشباح والقناديل!


قالت ذلك محاولة تقمص أصوات الرعب التي سمعتها في الفيلم ليلة أمس ، ثم نطّت من مكانها ودخلت مسرعة ، أظنها ستذهب لتلعب مع أمها ذات اللعبة. لكن كلماتها وإن لم تقصدها أصابت في داخلي بعض الجروح  ..
أدخلت العديد من الزهرات ، شكت إصبعي الإبرة ، لكني ومنذ زمن بعيد حقا ، لم أعد أبه لآلام كهذه ،
لكن أزعجني كوني صرت بلا إحساس! وكان الخريف يودع المنطقة ، يكسي السماء نهارا جافا وقاسي البرودة ، حاولت أن أشعل بعض الذكريات لعلي أجد في وقودها بعض الدفء.
تذكرت شبابي ، حاولت جاهدة أن أسرق منه بعض اللقطات المفرحة ، لكن عبثا بائت محاولتي! أدرك تماما بأني غير مصابة بالزهايمر ، لكن نسياني هذا كان متعمدا بفعل شيخوختي ، أثر جانبي أخر لكونك عجوزا.
ومع هذا فإني أتذكر بعض من تلك الأوقات التي كبرت فيها مع عُثمان ، زوجي رحمه الله ، كان رجل حرب حتي في البيت ، الأوامر كانت حرفته ومهنته ، وتلقيها كان ببساطة حرفة حياتي.
مع هذا أذكر أني عشت أوقاتا طيبة معه ، فرغم قسوته وجفائه إلا أنه كان كريما ومعطاءا ، لا أقصد بماله فقط ، وإنما بوقته. كان يعلم أني لا أحب الوحدة – والتي إنسقت لها راضية منذ وفاته – لذا كان يؤخدني معه في معظم رحلاته العسكرية ، وتحمل لأجلي إهانات زملائه ، بورك التراب الذي ضمك يا عُثمان! كم تمنيت لو شخت معي كما كبرت أنا معك ، تركتني بعد أن دللتني ، وصرت أنا جندية بلا معسكر بعد أن توفيت!
أتت سارة من الداخل كاسرة الهالة التي كُنت فيها. دائما ما تحضر بصخب طفولتها لتنقذني من ترهات شيخوختي!
-جدتي! ألم تنتهي بعد؟
-يا عزيزتي يا سارة ، لو كنت تعرفين جدتك العنيدة جيدا لعرفتي بأني لا أحب أنصاف الأمور ولن أصنع نصف عقد ، هيا أحضري لي معطفي ، علي أن أقطف المزيد من الأزهار ، حتي يكون بإستطاعتي إكمال العقد لك.
-جدتي ! عديني بأن تكملي لي هذا العقد!
قالت ذلك وفي عينيها رمزا بسيطا من التوجس لم أستطع حله.
طمئنتها ووعدتها وأخدت معطفي منها ، ثم إتجهت للحديقة لكني عدت لها ، إنتشلت العقد الفضي الخال من أي قلادة ، والذي يقطن في عنقي منذ أزل ، وأعطيته إياها :
-هذا العقد لك ، هدية توارثتها أجيال العائلة ، سأعود بعد قليل لأكمل لك العقد الأخر ..


لم تكن هناك أزهار نقية وطاهرة تليق بعقد سارة ، لذا كان عليّ التوغل أكثر في الغابة المجاورة لنا ، لم تكن غابة حقا إنما كانت حدائق متصلة ومتواصلة. لمحت بعد مدة طويلة من المشي بقعة ماء تنمو حولها جداول من الأزهار ، قرفصت بجانبها عندما وصلت إليها ، إلا أن عملية الفقرات الظهرية التي أجريتها من مدة لم تتركني وراحتي أبدا ، جلست متألمة ورحت أقطف الأزهار زهرة زهرة ..
كنت كل مرة أمد فيها يدي لقطف زهرة تتسمر عيناي علي التجاعيد التي تمتزج مع إمتعاق عروق يدي ، تظهر وكأنها سجين يحاول التملص من زنزانته ، ويبدو جلد يدي مقارنة بإخضرار عود الأزهار وغضة مظهرها كأنما حُرم من الماء دهر من الزمن. قارنت بين يدي والأزهار فإنطلقت غصة كنت أحسبها دفنت بلا عودة!
شهقت كثيرا وبكيت أيضا.
زاد من فجعي رؤية قسمات وجهي المتجعدة تتلوي بوجع علي صفائح ماء البحيرة الصغيرة ،  تألمت لأني لم أشعر يوما بما حملته هذه التجاعيد بين ثنياتها ،  والمشكلة أنها … لم تحمل الكثير!
رميت الأزهار بكل قوتي علي الماء الهاديء إلا من موجات بسيطة صنعتها ريح أكتوبر عليه ، تقبل الماء الزهر ، كما أني تقبلت حقيقتي.
ترنمت الحدائق معي بأغنية “مريمُ  ، يا مريمُ .. ما بكِ ؟” ، في شكل أزلي وأبدي. وتوقف الزمن في ٱكتوبر الخريفي.
وللحقْ ، لم يُكمل عقد سارة يومًا …

.
.
-النهاية-

أية ش. أبوعقربر
8/9/2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s