مَن سرق الشَنب؟

“1”
في بلد من ستة مليون نسمة ثلثها في العاصمة وحدها لم يكن من الصعب علي الحاج عمران أن يكون مشهورا ببيع سندويشات بائسة ، الخبز بخيس والتونة متوفرة ، فتح دكانه علي صباحات ربنا في إحدى الأيام المشمسة الغابرة ، المطل علي شارع النصر المزدحم في قلب العاصمة الهادئة فتدفق الجميع ، توقفت سيارة المدام زهراء ، اليافعة الأرملة ، أمام محل الحاج عمران لتطلب فطور لشخصين ، لها ولإبنها.

“2”

لا يوجد كادر نسائي هنا ، قال الباشمهندس عمر ،رجل قفز نحو منصة الثلاثين الشهر الفائت ، بشفاهه المتغطرسة ، وبنبرة الخبرة التي اكتسبها منذ سنين بسيطة خلت فأكسبته جرعة معتادة من النفس المنفوشة ، رمق الفتاة التي تجلس قبالته في مكتب أربعة متر في ثلاثة ، في شركة في الدور الثاني من مبنى متآكل يقع علي ناصية ضيقة في أحدى أزقة ميزران المكتظ ، الظهيرة في الخارج والحرج من الزميل الذي لم يتبينها لمكانته حاصرا وجنتي عبير في زاوية ضيقة ، فاحمرا خجلا ، لا أريد معاشا كبيرا ، قالت في محاولة لإستمالة العدو ، ثم أضافت ، سأنسى العلم الذي تعلمته في الجامعة قريبا إن استمر الحال هكذا ، عدل العدو الأوراق في الملف الموضوع أمامه وتمتم ، لا نوظف النساء هنا ، أعتذر ، لا نوظف النساء هنا لأن لا أحد يطلبكن في الشغل ، أرجو أن تفهمين ، وغادر الحجرة متململا في مجاز القول مع السلامة.

“3”

وقفت المدام زهراء أمام المحل ، الرائحة تخل بأداب المعدة ، وأشعة الشمس المنهمرة علي رأسها منعتها من الإنتظار تحت المظلة المنحسرة ، نظرت في الساعة ، الثامنة إلا ربع ، الولد سيتأخر علي المدرسة ، فكرت ، ثم تقدمت للداخل نحو الحشد المطالب بسندويشاته البائسة ، حاولت أن تأخذ مكانا قريبا من الخزينة لتطلب سريعا ، لكن العيون اتجهت نحوها ، لو كانت للعيون قدرة علي الأكل عن بعد لأكلوها بثيابها ، فتسمرت مكانها ، وفي خضم الهرج والضوضاء وصلها تعليق من إحدى الزبائن الرجال لصاحبه ، شوف ال****!تحساب نفسها راجل وتجاهد بين التريس ، رد الصديق بشتيمة تبعها بقهقهة خبيثة ، لم تكترث المدام زهراء رغم أن شعر قفا رأسها نط من مكانه ، لقد سمعت كلمة أسوء في انعطافة الطريق هذا الصباح ، الله غالب ، قالت في سرها قبل أن يدفعها شاب مستعجل سارق لأدوار غيره ، الأرض كانت ملاذها ، والغيبوبة.

“4”


الصيف مكان وليس زمان ، حيث يعيش اللهو ويعبث الفرح في الأجواء داعيا الناس لترك أحزانهم تتبخر بالحرارة ، خرجت العائلتان لمصيف يقع علي شواطيء تاجوراء الدافئة ، في منتصف شهر أغسطس حيث تصبح السباحة واجب شرعي للمواطن الليبي ، تجمعت أفراد العائلتين وتقاسمتا طاولة وخيمتين ، للعائلة الأولى بنت بكر وشابان يافعان ، وللعائلة الثانية شاب بكر لم يحضر وشاب أخر مراهق وطفلة صغيرة ، جلس الجميع يعدون الطعام والشواء ويدلعون البطيخة الأسطورية بينما دخل الشباب للسباحة ، رغم أن تقوى ، البنت البكر لعائلة العقيد حسن تكبر الجميع ، إلا أن الأخير منعها أن تسبح في الخلاء وأمام خلق الله وأمام ابن فتاح المراهق ، يصغرني بسبع سنين ، احتجت ، لكنه هددها أنيهد كل شيء ويعود بها للبيت فسكتت ، كتمت في خاطرها نية عميقة للغوص في البحر المزاجي هذا ، ثم جلست مع أمها والخالة تتبل الدجاج وتنفش الذرة.
عيناها اتجهتا نحو السماء الصافية ، تسبحان.

“5”

في قلوب العذارى أسرار الكون ، يلهب الحديث الناضج ألبابهن ، أنت لا تدري معنى أن تكون محبا ، محبا عذريا؟ لكني أنا أدري ، أسأل الملتاع ولا تسأل من في نعيم ، يجب أن تذوق من نبيذ قيس وابن زيدون والقباني لتعرف ما أتحدث عنه ، أنت لم تذق شيئا بعد؟ لكني أنا ذقت … قرأ أستاذ الأداب الثلاثيني ذلك ، كلام تلميذته الخجول ، في الليل الصامت الحقيق ، تبين القطعة جيدا من منوال مقالي طويل عن تطور الأدب الغزلي ، ضحك بلا اكتراث ، في الصباح اعطاها الدرجة كاملة ، نظرت في عينيه تريد أن تعرف إذا أدرك مبتغاها من النص أم لا ، لكنه أحول البصيرة ، دق قلبها كأنه يموت عندما ناداها باسمها لمكتبه ، طلب منها أن تحضر نصا لحفل ختام السنة الثانوية الأخيرة ، ظانا أنه يشرفها به ، مسحت عرق جبينها ، هزت رأسها واستدارت مستأذنة وهي تلعن غبائه سرا ، الغبي ، ظننت أنه سيطلبني للزواج!

“6”

حل الليل فسقطت الشمس مغشية عليها من فرط التعب خلف خط البحر ، غطست حتى قاعه فأكسبته حرارتها ودفئها ، قال العقيد حسن كأنه يسرح جندي من خدمته إعفاءا وكرما ، بإمكانك أن تسبحي الآن فلا أحد سيراك.
علي مر الصباحات الثلاث القادمة بحثوا مطولا عن جثة تقوى في شط بحر تاجوراء ، لا نتيجة ، رد خفر السواحل.
في كل الليالي التالية ، جلست تقوى في القاع تثرثر مع الشمس أحاديث النساء.

“7”

حاولت أن تفتح عينيها بصعوبة ، الوقعة كانت شديدة ، دوارا كئيبا سرق مخها ، وجوه كثيرة تنظر لها باشمئزاز ، وأيدي مجهولة تبحث في غير مكانها ، صاح عجوز مستثار قريب منها يحاول أن يخفي صبوته ويعلن حكمته ، لا تخش الحفر ليلدغوك الهوايش!
مدام زهراء ، اليافعة الأرملة ، عندما نهضت علي قدميها غادرت المحل سريعا ، تبكي ببلاهة ، ابنها أيضا ذو الستة أعوام كان يبكي ببلاهة في السيارة وحده ، لم يفطرا ذاك اليوم سوى بالدموع ، لن تعود لهذا المحل بالطبع ، أبدا ، لكنها بحثت عن طبيبة نفسية مطولا ، لم تجد ، قيل لها وما حاجتك في النساء ، النساء طبيبات فاشلات ، الطبيب الرجل أفضل ، من قالت لها ذلك كانت طالبة طب.


-النهاية-

أية ش.أبوعقرب
24/3/2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s