انعتاقات الغياب

شيء ما في طلوع الشمس، في إشراقات الصباح الأولى يحرك في نفسي شعورا جليا بالعبودية. نهار أخر يتحرك نحو الإعتيادية. انسيابية الروتين ومفاجآت طبيعته تصيبني بالغثيان في الصباح. لطالما تسآءلت كيف ارتبط المرضُ بالبعث في عقلي الباطني؟ أشك عبثا في أستاذ الريضيات بالإبتدائية، وسندويشات التونة الصباحية لما كنت صغيرا.
أستنفد كل ما لدي من منبهات إحتياطية، أنهض في الأخير مرغما بهذه الحياة، أسويّ شعري، أفرش أسناني، أزوق هندامي، أنسى الإرهاق وما فعل بجفوني، أريد أن أسبّ بنادول نايت الرخيص مثل طرطوشة فارغة. تنغمض عيناي لا إراديا. إرادة النوم، يتكلم دماغي في شوشرة، إرادة النوم وعبثية اختيار وجود يلائم ما تفرضه حيثيات العقل، أنصدم وأفتح عيناي، تبا، لقد سهيت وقرأت نصف أسطورة سيزيف بالأمس دفعة واحدة، أكلته كما تأكل الأنعام البرسيم الجاف اللذيذ بقسوته. أفكر في منطق ألبير كامو، كيف يقول الناس حقائق يفهمها العقل ويتحاشى مبتغاها بعد ذلك؟ أيا يكن، أحرك مشغل السيارة بكل رتابة الدنيا، وانطلق.
قرون تمضي، أصل متأخرا لباب الكلية، يسألني الرجل صاحب الأسنان المتآكلة عن بطاقتي، أبحث في جيبي وأحدق فيه ببلاهة، نسيتها في بنطال أخر، أحتج. يمغط وجهه عن وجهي ويفرض نظرة تعالي، هات البطاقة وإلا ستكون هناك إجراءات أخرى. أتذكر اسمه، تريد أن تنفلت مني عبارة يا حاج فتحي، أمسك نفسي في أخر لحظة وأنخنخ نفسه بمحاباة أليفة وأقول كاسرا ذلك البون الشاسع: يا فتحي كل يوم تشوفني وأنا خاش وأنا طالع. ما حاجتي للبطاقة اليوم بالذات وأنت تعرفني!
دوره ليحدق فيّ ببلاهة، وكأنه يفهم هذه الحجة أخيرا، يقول لي متوعدا أنها أخر مرات دخولي بلا بطاقة، أهز رأسي كمسطول متناسيا كم مرة فعلت ذلك من قبل. يقفز لباطني شعور يلح علي أن أطعن هذا الصباح بمبرد أظافر أختي الصدأ، لكن من أنا حتي أطعن صدر الشمس، أو قلب السماء؟ من أنا لأقتل متتالية سرمدية كحكاية النهار والليل؟
أتجه للكافيتيريا، هناك ترقد لفافات لا تنتهي من التكرار الأبدي لهذا الصباح، قناني قهوة جاهزة ورائحة حليب محروق ووجوه غارقة في البلادة، رغم أن أنفي فقد قدرته علي تمييز رائحة القهوة الجيدة من السيئة، كما أن عقلي لا يحتاج كثيراإلى الكافيين، ومع كل هذه السنين التي قدحت فيها القهوة ما لو جمّعت ثمن أكوابها البخيسة لأشتريت ضرّة علي الميكرا الحمراء القزمة. مع كل هذه السنين لم أعد أجد القهوة نعيما فواحا. غير أن جفوني المعذبة أبدا بضمير هذا العالم الراقد تأن في تطرف، وتكاد تنغمض عنّي، مقودا بها أدفع دينارا عقيما أخرا وأسكب كوبا معتقا بمذاق الصباح في جوفي، ولا توبة. ينتابني فجأة إحساس من يحمل الصباح في داخله، وأتردد، ربما عليّ أن أطعن صدري أنا.
أنظر في ساعتي، قبيل العاشرة بقليل، أبرمج وقتي، فاتت محاضرتان وسأسقط الأخيرة بالمزاج، لا أدري ماذا يقدمون في المدرج هناك، مادة طبية في جميع الأحوال، وكلام ينطق به عجائز مرضى تكاد تنخلع مفاصلهم كلعبة عثّة خارج الموضة. يا ليتهم يتركوننا ندرسهم هم، علي الأقل لن يصير وجودهم عبثيا كذاك.
أمر بجانب لوحة معلقة لجداول العام كله، مصير سنة كاملة يشنقونه في ورقة بائسة. لا يزال أسبوعان عن أول امتحان. بذخ من الوقت، أطمئن. ويتباذر لذهني ظروف أخر امتحان دخلته، لا أفهم كيف تورطت في كل هذا، كنت طالبا نشيطا، بشوشا في الثانوية، وتلك المرحلة الضبابية الفاصلة من الإعداد، ثم بووم! من أين جاء هذا القاع وكل هذه المياه؟ متى بالضبط حدثت حادثة الغرق؟ أزفر متسائلا: كيف يُبحر من بقدميه غلال وقيود؟
لا أجد ما أعمل، دودة داخلية تنهشني وتحثني للذهاب للمكتبة، أشيّك علي حقيبتي الظهريّة، وملفات الصوت في جهازي، كلتا الشيتات والتسجيلات ترقد كعذراء مخدرة في حقيبتي، قرابين من أجل العلم؛ أصحح الفكرة في دماغي، قرابين من أجل الإمتحان.
أسحب كرسيا في الدور العلوي من المكتبة وأجلس في صمت، جاهي المتوارث من بداية السنة الثالثة يمنعني أن أختلط بأصحاب الدور الأول، أتذكر مالفوي الأشقر من فيلم هاري بوتر كيف يحقر هرموني مناديا إياها بصاحبة الدم الموحل! ضحكت عاليا للتشبيه ولمجال مقارنتي، تنحنح أصلع ثلاثيني يجلس أمامي، وفنّص بؤبؤيه فيّ. هنا أرض الأموات، كدت أنسى. كدت حقا للحظة أن أنسى. قلبت الشيت الذي أمامي، وشغلت التسجيل. ومت أنا أيضا. وكأي زومبي، لم أشعر أني كذلك.

النهاية

.

.

أية ش. أبوعقرب

17 – أغسطس – 2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s