أشّعة فوقْ عربيّة


الحديقة التي كان يجلس فيها روبرت في شتاء 2067 كانت حديقة عامة، تنمو فيها الأشجار غصبا عنها، فتبدو رغم خضرتها صناعية، جافة. أما الورود فكانت ذابلة، شاحبة، ومهترئة، بالكاد تقف على أغصانها الرقيقة “ربما أحدهم ألقى عليها لعنة في المدة الأخيرة” هكذا حدث روبرت نفسه …. ثم تعود من نفسه!
يجلس على مقعد من النايلون المخفف، إلى مسندها مجسات مثبتة بإحكام، تبث أشعة فوق عربية، تستطيع التجسس على ال(عربي) على بعد ميلين، شعر روبرت بعدم أرياحية في جلوسه معها، فنهض وراح يتمشى في أرصفة المتنزه .
روبرت ذو الثمانية وأربعين عاما لم يكن ليشعر بالإنهاك، لكنه و في داخله لم يعد قادرا على متابعة هكذا روتين، فهو على مدى سبع سنين يجتاز ذات الوقت في ذات المكان في متنزه روكينغهام،تحت إشراف حكومي وطبي، ولكي يعيش في ربوع بلدة دونواي عليه أن يتبع التعاليم اللازمة، “هم يهتمون لصحتي جدا” علل ذلك لنفسه، فمن ضمن القوانين هناك أنهم يعرفون الخير أكثر منك.
خمس وأربعون دقيقة عليه أن يتنزه فيها يوميا، ولأن النسمة السكانية كانت خانقة وتبعا لرقم وطنيته، أُختير لأن يكون في هذا المتنزه بالذات.
مرّ روبرت بطفل صغير ذو شعر أحمر بني، والذي ثبت نظره على روبرت مطولا، ثم عاد ووضع نظارات الإثارة ودخل عالمه الرقمي الخاص. شعر روبرت بالدوار عندما تذكر تلك اللعبة، رفع إنتباهه لوالديه، يجلس على يمينه والده الطويل الملتحي، ثم إنظم إليه والده الأخر أيضا، رجلا ستيني العمر!
أخفى روبرت شعوره بالغثيان، رغم كونها ليست أول مرة يرى فيها شيء كهذا! ودعى في سره كثيرا ألا يخترعوا ألة مثل تلك الفوق عربية لتلتقط أحاديث نفسه وخواطره. هزّ رأسه وردد كما يردد القوم ال(الأزرق) عبارات وقوانين “السرّ” في الجذب الكوني ،، تمتم بــ (أنا لست عربيا، أنا لست عربيا) …. لعل الكون يغفر له.
حملته قدماه بعيدا، لاحظ عند يمينه تحت الشجرة المزيفة عجوزا، أو ما قد يقارب العجوز … كان للعجوز الجالس في وقار ورزانة عينين غامقتين وأنف طويل معقوف، عرف روب من تلك الصفات أصل ذلك العجوز … عربيّ!
إستئذنه للجلوس بجانبه، وأخد يتحدثان في أمور البلدة العامة؛ أسواق البورصة وأسهم صناعة النانو، وأخر المستجدات عن الملتحقين في كوكب GK1. لكن العجوز توقف فجأة عن الحديث وإلتفت لروبرت وقال بتهكم مغيرا مجرى الحديث كله:
-هل لديك رصاصة في البيت؟
لم يتفاجئ روبرت وإنما صعق! شدّ العجوز من كتفه وصاح به:
-ما هذا يا عم ؟ هل جننت ؟!
-أبدا، لا تخف، نحن على بعد ميلين تماما من تلك الأشعة الملعونة! ستختلط عليها الموجات ولن تصل إلينا ..
-وما أدراك؟ في الحقيقة أنا المجنون لجلوسي معك!
نهض روب، ونفض ملبسه وهم بالمغادرة وهو يتمتم بـ (أنا لست عربيا! أنا لست عربيا)
قال له العجوز من تحت أسنانه:
-لقد صادروا دماءك يا بني، لا بل صادروا المنطق وأخفوه بعيدا! حتى أحلامنا، حتى تاريخنا، حتى أسمائنا صادروها!
شيء ما في داخل روبرت أمره ألا يبتعد أكثر، عاد وجلس بجانب العجوز والذي قال معللا:
-هل تصدق؟ أنا من إخترعت تلك الأشعة قبل عقدين! خلقتُ وحشا إنقلب ضدي!
لم يجب روبرت كونه لم يصدقه، فتابع العجوز موضحا :
-أنا مُراد ، مُراد المحسن!
إلتفت له روب بكافة حواسه.
-ماذا ؟ هل أنت حقا مراد؟ المخترع االمشهور!! أه يا ألهي! لقد أغتالوا مراد فكيف تكون أنت مراد؟
-نعم ، لقد أوهموكم أنهم قتلوا مراد لأنني حاليا السير البروتانتيكي جون ويتنسون!
قالها العجوز بسخرية بعد أن رفع كم قميصه وأظهر بروتوكول وطنيته المطبوع على رسغه، وتابع:
-تحت كل هذه الوشوم والعمليات التحويلية يقبع الدم العربي الأصيل. لم أتغير ، ما زلت مراد ولكن تحت الأغطية. تحت النجوم الطبيعية، وتحت الأعين العربية مازلت أنا .. مراد المحسن العربي!
-بربك! لقد قلت … أه! تلك الكلمة أكثر من مرة! هل تريد أن تنهي بروتوكولاتنا يا رجل؟
-تُسمى حياتنا وليست بروتوكولاتنا. نحن لم نتغير، نحن أجبرنا على التغيير يا بني! وها أنت المثال الصافي! لقد أخبرتك للتوّ أن لا أحد سيسمعنا ولكنك لا تزال وجلا.
كان في داخل جمجمة روب عشرات الأسئلة ، وكان به من التوق للإجابات ما جعله يكمل حديثه مع العجوز. رغم كونه يعرف العواقب جيدا…
إستهل العجوز الحديث مردفا :
-هل ترى ذلك الجبل القابع هناك؟
-نعم؛ جبل ماري، ما به!
-جبل ماري! هاه!  لا لا .. كان يسمى جبل الأطلس، جبل شامخ يربط المغرب العربي كله. حدثت فيه بطولات الأندلس، ومعارك المرابطين. هنا تعايشنا نحن العرب والأمازيغ مدة طويلة جدا.
لأول مرة في حياة روب شعر ببعض الحنين لمكان لا يعرفه ولقومية يجهلها.
-المغرب العربي؟ سمعت عن تلك التقسيمات التي كانت تسمى البلدان العربية ، تعلم، لا تزال لدي بعض الذكريات القديمة جدا والمعلومات عن .. أنت تعلم! إذا أنت من المغرب؟
-لا ، أنا ولدت في ما كان في يوم من الأيام يسمى الخليج العربي، صحراء وتمر وإبل. ولقد ولدت في تسعينيات القرن الماضي!
قالها العجوز وكله فخر بذلك وكأن ميلاد أحدهم يعتبر ضربا من الإعتزاز!
-أه .. لا أدري من أين أنا تماما، لكني من الشام، قالت لي أمي ذلك عندما كنت صغيرا.
-الشام يا بني بلد الزيتون والياسمين! بلد القباني!
-ومن يكون القباني؟
-نزار القباني! لو كان بيننا اليوم لأذلنا بأشعاره، لكنا إنتهينا بفعل عنف كلماته! إنه محامي العرب، لقد كان شاعرا …
تذكر روب تلك القصائد التي كان يكتبها وهو صغيرا، والتي أخفاها تحت أرجوحته في منزله القديم قبل عقود من الزمن، قال للعجوز بعد أن صحى من أعاصير ذكرياته:
-كيف هي ال(عربية) يا عم ؟ حدثني كيف يبدو أن يكون المرء عربيا؟
إرتسمت نظرة من التخبط والجدية على وجه العجوز، ثم قضم شفتيه حسرة وأجابه:
-العربية يا روبرت أن يتفوه وجدانك بالحروف لا لسانك! العربية هي أن يحتسي التراب دمائك حتى يكون ترابا نقيا. أن تتذوق حر الصحراء وأن تتنعم بجميل وحشيتها. العربية هي المفاهيم التي حاولنا تدنيسها يا بني! هي الكلمة التي خجلنا من نطقها!
صار العجوز أكثر إنفعالا وتابع قوله:
-العربية كانت عروس جميلة ومحتشمة! لكننا وؤدناها يوم عرسها، وأهدينا فستانها الملطخ بأنانيتنا وهمجيتنا لقاتلها.
تشنجت عروق روبرت تحت وجنتيه، وبدى محتنقا فقال وعقله مشوّش :
-يا إلهي! لقد مضى كثيرا على تصحيح تلك المفاهيم، أنا الأن عضو في هذا المجتمع الأزرق، كل ما تقوله ليس له فائدة! نحن نتخبط في الماضي. ماالفائدة من هذا؟  لم يعد هناك وجود للعرب! لماذا قد نثقل أنفسنا بالحديث عنهم!
-نعم صحيح، لم يعد هناك من وجود الأن للعرب، فلم يعد هناك مجد ولا عمر، ولا هناك مصر ولا الأردن ولا تونس، لم يعد هناك أرضا ننتمي إليها ولا أسماء نستأنس بها. لا يوجد الأن يا روب سوى صحراء، حتى السراب فيها لم يعد سراب!
خجل روبرت من كونه عربيا، لكن هذه المرة تختلف .. لقد شعر بالخجل لما لم يقدمه من أجل عروبته. ونظر للأسفل وقال بصوت قد تراكمت فيه الآحاجي :
-إسمي روبرت، لكني أُكنّى بأبوسمرة ، روبرت أبوسمرة. إنه الشيء الوحيد الذي أعرف من خلاله أنني في يوم من الأيام كنت عربيا. وأحببت فقط أن أعلمك.

-بل لا تزال! في داخلك عربي خجول من ذنب لم يقترفه، ومن تاريخ تخلي عنه! هل تعرف أن كل ما يمكنك فعله لأن تكون عربيا هو .. هو أن لا تخجل من كونك كذلك!
-متي إنتهينا؟ أعني متي إنتهت (العربية)؟
كان يمسك العجوز في يده شرابا باردا، لونه أحمر هادئ، صار يُحركه في وعاءه الكرتوني ثم أجابه :
-عندما توقفنا عن شرب القهوة!
ضحك روب لثانيةٍ، فقد ظنّ بأن العجوز يمزح. وتابع العجوز على كلّ:
-نحن قوم يا بني نتمسك بالمظاهر، وتأخدنا القشور ببهرجتها، عندما ملّ العالم نشوة القهوة الثملة قررّ أن يتجهوا لآشربة ٱخري. ولأننا إختزلنا وجودنا في شراب مارق فها نحن ذا .. إنتهينا بمجرد إستبداله! وخد القهوة كمثال واحد فقط. ضف عليها صحراءنا التي عُشّبت، ونفطنا الذي تبّخر، وسُمرتنا التي بُيضت بمساحيق التجميل والليزر! لأننا يا بني دسسنا رموزنا وشيفراتنا في أشياء فاتنة، فانية، ولم نحملها في المعاني والقلوب. نحن ببساطة قوم إسترخص نفسه فملكه العدو!
في تلك الآثناء وصلت فتاة عشرينية ترتدي لباسا مخضرا، وقبعة عليها الحروف scv ومعها كرسي متصل بقاعدة التيار المغناطيسي.
قال العجوز لروب خافضا صوته، ومنحنيا إليه قبل نهوضه:
-هذه مِيز، موكلتي الصحية من مركز الخدمات التطوعي، عليا الذهاب الآن، وقت تنزهي إنتهي.
إقترب روب من العجوز وهمس في ٱذنه:
-إنتظر يا عم! ليس لدي رصاصة .. وإنما قصيدة!
هلّل وجه العجوز لذلك، و ردّ خاتما للحديث قبل أن يسير مبتعدا:
-يا بني: إن أقوي أسلحة عروبتنا .. كلمة!
.
.
.
.
.

أية ش. أبوعقرب

2/9/2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s