مسائل الوجود (الكتابة عن الكتابة 4)

 

من الغريب أن يجد المرء نفسه عاجزا عن افتعال الكلمات. هذا الشيء الوحيد الذي يبرع فيه. هذه السكّينة التي لم تؤذه قط. لما هو الآن عاجزا حتى عن افتعال هذه الوسيلة الوحيدة لشفائه؟
كيف تجرؤ الحياة عن سرقة كنز وأثر رجل وحيد في الخلاء؟ كيف لها أن تسمح بهذه السخرية العجيبة؟
إذا لبيت النجّار بلا باب حقا ..

افتقاري للكلمات مؤلم. ليس لأني جيدة في خلقهن، ولكن لأني لست جيدة في أي شيء أخر. عجزي المتواصل للتواصل مع الروح الإنسانية، وقلة حيلتي أمام أصالة المظاهر الإنسانية المختلفة لا تترك لي إلا ممرا ضيقا جدا داخل هذا العالم لأقيم فيه مجدي. هذا المجد الذي لن يصله ضوء الشمس يوما.

بالنسبة لي الأمر شخصي جدا. حسنا .. ربما كل كاتب

إقرأ المزيد

Advertisements

اعترافات صيفية

يا ذنبا لم أقترفه. يا غفرانا لا أستحقه.
.
.
اليوم أدركت شيئا جديدا. شيءُ جديد أخر. شيء جديد يُضاف لتلك القائمة القديمة التي ما تنفك تتسع مثل كون أخرق.

اليوم أدركت أن العودة صعبة جدا، هذا إذا لم تكن مستحيلة ..

أقول؛ فقط لو كانت مسألة الإنتحار أقل دراميّة ..

تعلم؟ ربما هذا هو الوقت الذي أحتاج فيه للحضن الضائع بين مسافتينا. أعترف أحيانا أن المعركة معركتي، وأن وجودك من عدمه، قربك من بعدك، محبتك من لا مبالاتك ليست إلا أطرافا خارجية لا تغني من النصر رصاصة! إقرأ المزيد

أحبك منذ ألف عام أو يزيد

أحبك منذ ألف عام أو يزيد ..

عندما كُنا أرواحا نطفو علي سطح العدم.

كان الله برحمته المباركة قد جمعنا سويا .. وكان كل شيء لا يبدو علي الإطلاق سوى ذاك الأبد السردمي من الحب.

رأيتك حينها رغم أني كنت بلا عينين، لا أدري.

أحببتك حينها عندما كنّا لا شيء، قبل أن يكون لي قلب، لا أشعر.

أحببتك لأن لا شيء أخر بدا صوابا، لأن الله حكيم، لأنه خلق الروح وزوجها. أنا كنتك وأنت كنتني قبل الحياة. قبل هذه الحياة التي عندما حان دورنا لإرتيادها فصلتنا!

إقرأ المزيد

القفزة

وقفت روح أمام الهاوية. تنظر لأسفل نحو ما يسمونه هناك بالتجربة. تنظر بحذر. إذا نزلت الآن فستتاجر بحالتها الوجودية. هنا الإحساس الكُليّ. هناك الإدراك الكليّ. أحدهما فقط لكل مرّة. لطالما أحست روح بحاجتها للإنشطار والتبرعم. ولكن القفزة مُرعبة.

نظرت نحو الأسفل خلال هذا السائل الرقراق، المائع! إذا قررت ونزلت خلاله الآن فلن يكون هناك من عودة إلا بالطرق الصعبة. كما أنها سمعت أن هذا النوع من التجارب له روتين مُغري. وقفت تُشاهد أرواحا أخرى وهي تأخد قرارها العظيم وتقفز نحو هذا السديم السائل. إقرأ المزيد

حُمى الإحساس (الكتابة عن الكتابة 3)

 

أكملت للتو مذكرة أخرى.
مذكراتي، بالنسبة لي، نافذة. قناع الأكسجين الذي ينزل من السقف كالرحمة لرواد الطائرة المضطربة. لست أدرى كيف يمكنني أن أعيش بدونها، بل بالأحرى، كيف يمكنني رؤية العالم دونها. كنظّاراتي تماما، عليّ ارتدائها بشكل متكرر لأرى الأشياء نقية دون تشويشها المعتاد.
بالنسبة لإنطوائية، يبدو العالم مرعبا جدا من الخارج، ومن الداخل على حد سواء. كفتنة حرجة، لذيذة لغايتها ولكنها ألذ دوما من بعيد. وبفتنته هذه، يصعب عليّ أحيانا أن أراه بوضوح.يتغشاه غثامة الغموض، كطرحة عروس. وبمذكراتي، أشعر أني، إن لم أرفع هذه الطرحة لأرى حقيقة الوجه الذي يقبع خلفها، قد ذهبت إلى حد بعيد في تخيل ملامح هذا الوجه. نعم، قد لا تهديني مذكراتي حقيقة هذا العالم، ولكنها تعطيني الحقيقة التي تشبهني،

إقرأ المزيد

الصديق المخلص

في إحدى الصباحات أخرج جُرد الماء العجوز رأسه من جُحره. لديه عينان مشرقتان كخرزتين وشاربين خشنين، أشهبين وذيل طويل يبدو كقطعة مطاط سوداء. البطّات الصغيرات تسبح هناك في بركة المياه، تشبه كثيرا طيور الكناري الصفراء، أما أمهم؛ التي كانت بيضاء تماما لا يشوبها غير ساقيها الحمراوين، فقد كانت تحاول أن تعلمهم كيفية الوقوف علي الماء برؤوسهم.

“لا يمكنكم الإنضمام لأرقى الجماعات حتى تقفوا علي رؤوسكم” هكذا ظلت تقول لهم. وبين الفينة والأخرى كانت تريهم كيفية القيام بذلك. ولكن البطّات الصغيرات لم يعيروها أي اهتمام. لقد كانوا صغارا جدا للدرجة التي لم يعرفوا بها ما هي ميزات أن يكون المرء في مجتمع ما علي أية حال.

إقرأ المزيد

الحصلةْ في الريّ

في قُعر الشارع تقبع مربوعة الشيابين؛ هكذا اصطلح سكان المنطقة علي تسميتها. لا أحد يذهب إليها، أو يجلس فيها. بل لا أحد يدري ما الذي يدور فيها من أنشطة أو أحاديث، ولا أحد يعرف أصل أولئك الشيوخ الذين يزورونها كُل ليلة كملهى مقدس أو كضريح خاص. فهي تابو مُشمع وعليك أن تشيب أولا حتى يُسمح لك بدخولها. أما إذا سبق ودخلتها، فلا تستطيع التحدث عنها بعدُ. هذه هي لعنتها كما يقولون.

ليلتها كان حميد جاهزا. قد لبس بدلته العربية المعتادة، ووضع فوقها الجَرد الوحيد الذي يملكه، وراثة عن أبيه. معتمرا قبعته الصوف لم ينس أن يترك مجالا لسوالفه الشائبة بياضا أن تعرض نفسها اختيالا لرائيها. ففي يومها قرر حميد، أخيرا، أن الخمسين عاما تكفي ليلتحق بالمغامرة المجهولة في نهاية الشارع. إقرأ المزيد

مارد القابينة

جمال مواطن ليبي صالح، يلبس الزبون أيام الجمعة وفي الأعياد، ويفضل أكل حساء الفاصولياء بالكرشة، ويقلب الشبشب كلما وجده مرميا علي قفاه. يحب بنت خالته القصيرة والفتاة الغامضة ذات الصوت الرقيق التي تزور بيت جارهم ميلاد عشيّة الخميس وأرملة صديقه السمراء وحتى تلك التي أخطأ يوما بطلب رقمها بدل رقم أمه والتي لم ير منها غير الظفر الزهري الذي يصاحب كوب الشاي في خلفية صورتها علي الفايبر، فجمال كأي مواطن ليبي صالح لديه طيف واسع من الأذواق. ثم أنه يعود المريض في اليوم الثالث من دخوله المستشفي بعلبتي عصير العنب، ويبخبخ أمام حوشهم عندما يشتد قيظ الصيف مرتديا سرواله القصير، وعندما يضرب زمور السيارة في زحمة الطريق يقول تلك الكلمة التي يقولها كل الليبيين عادة من هم في وضعه. يرقص علي النوبة بحرارة، ويلطخ زميله الذي تخرج للتو بأشنع أنواع الزيوت والبيض النيء النتن وريش الدجاج كحركة وفاء لاإرادية، وعندما يتكلم في السياسة تجتاحه تلك الرغبة الدفينة بقذف شتيمة. إذا وكما ترون، جمال مثالي جدا واكتسب أحقيته في الجنسية بكل جدارة. إقرأ المزيد

محاولات فاشِلة

تُصبح المقبرة محفلا مهيبا عندما يُزف لها قاطن جديد، فتمتلأ بالناس والصراخ وطقطقات الأحذية المستعجلة فوق قبورها المتهالكة. وهذه المرة كان أبي.

في العادة، وهو ما أخفيه -وأفشل- عن أمي دائما، في العادة أشعر بإنجذاب لذيذ نحو المقابر، الواسعة منها تحديدا، وذلك في الأيام، أو الأوقات بالأحرى، التي تُترك فيها خالية من الزوار. وكثيرة هي تلك الأوقات.
أتِي في معظم تلك الأوقات إلى هنا، إلى هذه المقبرة بالذات، ربما لأن أسلاف العائلة وأبنائها كلهم من توفاهم الله يرقدون فيها، أو ربما ببساطة لأني أحب ذلك. إقرأ المزيد

الطرف الأخر من السماء

كانت غيمة وحيدة في الطرف الأقصى من السماء، أزعجها البحر عصبيّ المزاج، فحملت متاعها وابتعدت عنه.
سمعت يوما بينما كانت تتمشى الهوينة طائرا من الصقور يحلق في فضاء الله يخبر صديقه عن الأرض الموعودة في الطرف الأخر من السماء، حيث جنة الغداء والمؤى والعلاقات. فسألته ما اسم الأرض، فقال إن اسمها الصحراء. إقرأ المزيد